تواجه الضفة الغربية ومدينة الخليل المحتلة مرحلة هي الأخطر منذ عقود، حيث بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ حزمة من القرارات التي تهدف إلى تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي بشكل جذري.
وفي تصريحا لقناة الجزيرة، كشفت "هيئة مقاومة الجدار والاستيطان" أن الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة لا تستهدف فقط مصادرة الأرض، بل تهدف إلى فرض "بيئة طاردة وقهرية" تجعل من حياة الفلسطينيين داخل مدنهم وقراهم أمراً مستحيلاً.
هذا الحراك الاستيطاني المتسارع يأتي في سياق محاولة إسرائيلية رسمية للقضاء على ما تبقى من أثر لاتفاقية أوسلو، والضرب بعرض الحائط بكافة المواثيق والقرارات الدولية التي تعتبر الاستيطان جريمة حرب، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لوقف هذه الغطرسة التي تتجاوز الحقوق الوطنية لتصطدم بالمنظومة القانونية العالمية برمتها.
إنشاء كيان موازي وضرب المحددات العمرانية
حذرت بلدية الخليل في حديثها لقناة الجزيرة من مخطط إسرائيلي بالغ الخطورة يستهدف قلب المدينة التاريخي، حيث يسعى الاحتلال إلى إنشاء كيان إداري وخدماتي جديد يسمح بالتوسع العمراني للمستوطنين داخل الأحياء الفلسطينية.
هذا المخطط يضرب كافة المحددات والاتفاقيات السابقة التي كانت تنظم العلاقة في المدينة، ويهدف بالأساس إلى ربط البؤر الاستيطانية المتناثرة ببعضها البعض لتحويلها إلى كتلة جغرافية واحدة متصلة.
إن محاولة إنشاء "كيان خدماتي" خاص بالمستوطنين داخل الخليل يعني عملياً فصل المدينة عن سيطرة البلدية الفلسطينية، وتحويل المناطق العربية إلى جيوب معزولة ومخنوقة عمرانياً، مما يهدد الوجود الفلسطيني التاريخي في البلدة القديمة ومحيط الحرم الإبراهيمي، ويحول حياة السكان اليومية إلى رحلة من العذاب والقيود الأمنية المشددة.
التهويد تحت غطاء الحماية التاريخية
أبدت بلدية الخليل تخوفات عميقة من توجه الاحتلال نحو استخدام المناطق الأثرية والتاريخية كذريعة قانونية للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي. هذه الاستراتيجية تعتمد على تحويل المواقع الأثرية الفلسطينية إلى ممتلكات تابعة لسلطة الآثار الإسرائيلية، ومن ثم إعلان المناطق المحيطة بها "مناطق عسكرية" أو "محميات طبيعية"، وهو ما يمنع الفلسطينيين من البناء أو الترميم أو حتى الوصول إلى أراضيهم.
ويرى مراقبون أن هذا التكتيك يهدف إلى تبرير الوجود العسكري الدائم داخل المدن، وإعادة احتلال مناطق كانت تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة وفق الاتفاقيات الموقعة، مما يعني إلغاءً فعلياً لسيادة السلطة الوطنية الفلسطينية على مراكز المدن الكبرى، وتحويل الضفة إلى كانتونات مقطعة الأوصال تفتقر إلى أي تواصل جغرافي.
مواجهة المجتمع الدولي ونسف الحلول الدبلوماسية
من جانبه، أكد مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن دولة الاحتلال لم تعد تعتدي فقط على الحقوق الفلسطينية الأساسية، بل أصبحت في حالة مواجهة صريحة مع المجتمع الدولي بأسره.
إن القرارات الأخيرة التي تبيح التوسع الاستيطاني المفرط وتشرعن البؤر العشوائية تعني القضاء النهائي على اتفاقية أوسلو ووأد أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وطالبت الهيئة المجتمع الدولي بضرورة الخروج من مربع الإدانات الكلامية إلى مربع الفعل الجاد والضغط الحقيقي لوقف هذه السياسات التي تفرض واقعاً قهرياً على الأرض. فإسرائيل، عبر هذه الإجراءات، تسعى لتحويل الضفة الغربية إلى ساحة مفتوحة لإعادة الاحتلال العسكري المباشر، مستغلة حالة الصمت الدولي والظروف الإقليمية الراهنة لفرض حقائق لا يمكن التراجع عنها مستقبلاً.
استراتيجية التهجير الصامت عبر تضييق الخناق
تعتبر "البيئة الطاردة" التي تحدثت عنها هيئة المقاومة هي جوهر السياسة الإسرائيلية الحالية، حيث يتم الجمع بين هجمات المستوطنين العنيفة وبين القرارات الحكومية الجائرة لتضييق الخناق الاقتصادي والاجتماعي على الفلسطينيين.
إن منع التوسع العمراني الفلسطيني مقابل منح المستوطنين حرية البناء، وتقييد الحركة عبر الحواجز، ومنع وصول الخدمات الأساسية، كلها أدوات تهدف إلى دفع المواطن الفلسطيني لترك أرضه طوعاً تحت وطأة الضغط النفسي والمادي.
إن ما يحدث في الخليل اليوم هو نموذج مصغر لما يخطط له الاحتلال في عموم الضفة الغربية، حيث يتم استبدال الحقائق القانونية والتاريخية بقوة السلاح والأمر الواقع، وهو ما يستدعي وقفة وطنية ودولية حازمة لحماية الوجود الفلسطيني ومنع تكرار نكبات جديدة تحت مسميات "التوسع العمراني" أو "الكيانات الخدماتية" المزعومة.










