21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

إيران والولايات المتحدة: التفاوض كغطاء عملياتي.. والضربة الموجعة قيد الإعداد

قال د. بكير أتاجان، الباحث التركي وخبير سياسات الشرق الأوسط، إنه في الواجهة العلنية، تبدو المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، امتدادًا لدبلوماسية تقليدية تسعى إلى خفض التوتر.

بقلم: عمرو المصري
٩ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
6 مشاهدة
ويتكوف وعراقجي في مفاوضات مسقط

ويتكوف وعراقجي في مفاوضات مسقط

قال د. بكير أتاجان، الباحث التركي وخبير سياسات الشرق الأوسط، إنه في الواجهة العلنية، تبدو المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، امتدادًا لدبلوماسية تقليدية تسعى إلى خفض التوتر: تصريحات محسوبة، لغة هادئة، وإشارات متكررة إلى إمكانية التوصل لتفاهمات مرحلية. غير أن هذا المشهد لا يعكس، في جوهره، سوى الطبقة السطحية لإدارة صراع أعمق، تُستخدم فيه المفاوضات لا كمسار حل، بل كأداة تكتيكية ضمن معركة زمن واستخبارات واستعداد عملياتي.

وأوضح "أتاجان"، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أن الولايات المتحدة، التي تدرك الكلفة الباهظة للحرب الشاملة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، طوّرت خلال العقدين الأخيرين نموذجًا شبه ثابت في التعامل مع الخصوم الصاعدين، يقوم على مبدأ “العمل تحت سقف التفاوض”.

وأشار إلى أن هذا النموذج لا يُلغي الخيار العسكري، بل يؤجله ويُعيد هندسته: تهدئة سياسية في العلن، يقابلها رفع متدرج للجاهزية العسكرية، وتكثيف للرصد الاستخباري، وبناء دقيق لبنك أهداف يُستخدم عند اللحظة المناسبة.

3 مزايا لواشنطن

وأوضح أنه في هذا السياق، يمنح التفاوض واشنطن ثلاث مزايا حاسمة:

أولًا، غطاءً سياسيًا وأخلاقيًا أمام المجتمع الدولي، يخفف الضغوط ويعقّد أي إدانة مسبقة لتحركات لاحقة.
ثانيًا، خفض منسوب الاستنفار لدى الخصم عبر خلق انطباع زائف بالاستقرار وإمكانية الاحتواء.
ثالثًا، مساحة زمنية ثمينة لتجميع المعلومات، وتحديث الخرائط العملياتية، وربط المعطيات البشرية والتقنية في صورة استخبارية واحدة متماسكة.

وأضاف: "من هنا، لا تعود طاولات التفاوض مجرد ساحات لتبادل الرسائل السياسية، بل تتحول إلى أدوات اختبار استخباري غير مباشر. فكل جولة تفاوض، وكل تصريح، وكل اختلاف في لهجة المسؤولين الإيرانيين، يُقرأ بوصفه مؤشرًا على مستوى تماسك النظام داخليًا، وجهوزية الدفاعات الجوية والبحرية، وأنماط انتشار الحرس الثوري، إضافة إلى حالة الشارع الإيراني ومدى قابليته للانفجار أو الاحتواء".

أسلوب أمريكي معتاد

وشدد "أتاجان" على أن هذا الأسلوب ليس طارئًا في السلوك الأمريكي. فقد استُخدم بوضوح قبل غزو العراق عام 2003، حيث تحولت المسارات الدبلوماسية وفرق التفتيش الدولية إلى أدوات لجمع معلومات ميدانية دقيقة. كما تكرر المشهد قبل الضربات الأمريكية المحدودة على سوريا عامي 2017 و2018، حيث سبق الفعل العسكري مسار سياسي مكثف خفّض منسوب المفاجأة لدى الحلفاء، لا لدى الهدف.

WhatsApp Image 2026-02-09 at 2.02.48 PM.jpeg


 

وأردف: "في المقابل، تدخل إيران مسار التفاوض وهي تفترض أن الوقت يعمل لصالحها: تخفيف الضغط، تفادي ضربة فورية، وإعادة ترتيب أوراقها التفاوضية. غير أن المفارقة الاستراتيجية تكمن في أن هذه المساحة الزمنية نفسها قد تتحول إلى نقطة ضعف قاتلة، إذ تتيح لخصومها تعميق الرصد، وتحديث بنك الأهداف، والاستعداد لعملية محدودة لكنها عالية التأثير، تستهدف مفاصل حساسة في البنية العسكرية والنووية والصاروخية، دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة".

دور إسرائيلي متعاظم

ولفت الباحث التركي إلى أنه ضمن هذا الإطار، يتعاظم الدور الإسرائيلي بوصفه الفاعل الأكثر تشددًا. فتل أبيب تنظر إلى أي اتفاق لا يقيّد القدرات الصاروخية الإيرانية ولا يحد من النفوذ الإقليمي لطهران باعتباره تهديدًا وجوديًا مؤجلًا. لذلك يتبلور نمط عمل مزدوج: ضغط سياسي وإعلامي علني لتشديد شروط التفاوض، يقابله تحضير أمني–استخباري صامت يشمل عمليات سيبرانية، واغتيالات نوعية، وتخريبًا تقنيًا، كما حدث في منشأة نطنز، واغتيال العالم النووي محسن فخري زاده، وسلسلة الهجمات التي طالت البنية اللوجستية للحرس الثوري.

وتابع: "الهدف هنا ليس الحرب الشاملة، بل ما يمكن وصفه بـ “الضربة الذكية”: عملية دقيقة، قصيرة زمنيًا، عالية الزخم الردعي، تُعيد ضبط ميزان الردع دون فتح أبواب مواجهة واسعة يصعب التحكم بمآلاتها".

تحذير لإيران 

وقال "أتاجان" إنه بهذا المعنى، لا يصبح التفاوض نقيضًا للعمل العسكري، بل جزءًا من بيئته التمهيدية. فالهدوء الظاهري يخفّض مستويات الحذر، يربك الحسابات، ويؤجل ردود الفعل، بينما تتقدم الاستعدادات في الخلفية بثبات".

وحذر "اتاجان" من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في انهيار المفاوضات، بل في نجاحها المؤقت في صناعة إحساس مضلل بالاستقرار، قد يسبق لحظة مفاجئة تعيد خلط الأوراق بضربة عميقة ومركّزة.

وختم تحليله بالتأكيد أنه في هذا المشهد المركّب، قد يبتسم المفاوض الأمريكي أمام الكاميرات ويتحدث عن التفاؤل وخيارات الحل، لكن القرار الحاسم لا يُصاغ على طاولات التفاوض، بل في غرف الحرب والاستخبارات، حيث تُحسب الضربة لا بوصفها خيارًا مطروحًا، بل كإمكانية جاهزة تنتظر توقيتها السياسي والعملياتي المناسب.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

إيران والولايات المتحدة: التفاوض كغطاء عملياتي.. والضربة الموجعة قيد الإعداد - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°