زيارة بنيامين نتنياهو العاجلة إلى واشنطن لم تكن بروتوكولية ولا عادية، بل جاءت محمّلة بهواجس إسرائيلية عميقة من أي مسار تفاوضي محتمل بين أمريكا وإيران. في لحظة إقليمية شديدة السيولة، حيث تتقاطع حرب غزة المستمرة منذ أكتوبر 2023 مع توترات البحر الأحمر ولبنان والعراق، يحاول رئيس وزراء الاحتلال إعادة ضبط بوصلة القرار الأمريكي، أو على الأقل تعطيل أي انفتاح قد يُفسَّر في تل أبيب كتهديد استراتيجي.
هذه الزيارة تعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن التفاوض الأمريكي–الإيراني، حتى لو كان محدودًا أو غير معلن، قد يُنتج وقائع جديدة تقلّص هامش الحركة العسكرية لإسرائيل، وتضع قيودًا على مشروعها الأوسع لإعادة تشكيل المنطقة بالقوة. ومن هنا، تبرز أسئلة جوهرية حول فرص التصعيد ومخاطره في ظل التفاوض، ومن المستفيد الحقيقي من إبقاء المنطقة على حافة الانفجار.
الخوف من مفاوضات إيران
توقيت الزيارة يحمل في طياته أكثر من رسالة. فواشنطن، بحسب ما نقلته صحف أمريكية مثل نيويورك تايمز، كانت تبحث في قنوات تواصل غير مباشرة مع طهران لاحتواء التصعيد الإقليمي ومنع توسّعه إلى مواجهة شاملة. هذه القنوات، حتى وإن لم تصل إلى اتفاق رسمي، تشكّل كابحًا نسبيًا لأي مغامرة عسكرية واسعة.
بالنسبة لنتنياهو، فإن أي تهدئة أمريكية مع إيران تعني عمليًا تحييد "العدو الأكبر" في لحظة يحتاج فيها الاحتلال إلى تصعيد مدروس يخفف الضغط الدولي المتزايد بسبب المجازر المرتكبة في غزة منذ أكتوبر 2023. لذلك، جاء التوقيت كاستجابة استعجالية لقطع الطريق أمام أي تفاهم قد يفرض على إسرائيل سقفًا سياسيًا أو عسكريًا.
كما أن التوقيت يتقاطع مع مأزق داخلي يواجهه نتنياهو، سواء على صعيد محاكماته أو تصدّع حكومته. التصعيد الخارجي، تاريخيًا، كان أحد أدواته للهروب إلى الأمام، وتحويل الأنظار عن أزماته الداخلية، وهو ما يمنح الزيارة بعدًا شخصيًا لا يقل أهمية عن بعدها الاستراتيجي.
أهداف نتنياهو الحقيقية
الخطاب الإسرائيلي المعلن يركّز على "منع إيران من امتلاك سلاح نووي"، لكن القراءة الأعمق تكشف أن الهدف يتجاوز الملف النووي. نتنياهو يسعى إلى تكريس معادلة واضحة: لا تفاوض مع إيران إلا بشروط إسرائيلية، ولا تهدئة إقليمية دون ضمان تفوق الاحتلال العسكري المطلق.
بحسب تقارير صادرة عن مراكز أبحاث أمريكية مثل مجلس العلاقات الخارجية، فإن إسرائيل تخشى من أن يؤدي أي اتفاق، حتى لو كان جزئيًا، إلى تخفيف العقوبات عن إيران، ما يتيح لها تعزيز نفوذها الإقليمي ودعم حلفائها، خصوصًا في لبنان وفلسطين. هذا السيناريو يُنظر إليه في تل أبيب كتهديد مباشر لاستراتيجيتها القائمة على الردع بالقوة والتفوق النوعي.
في هذا السياق، تحاول إسرائيل دفع أمريكا نحو خيارين أحلاهما مرّ: إما تصعيد مدروس يفرض على إيران التراجع، أو على الأقل إبقاء التوتر قائمًا لمنع أي مسار تفاوضي مستقر. كلا الخيارين يخدمان رؤية نتنياهو، حتى وإن كان الثمن هو تعريض المنطقة لانفجار واسع.
واشنطن بين الحليف والنار
الإدارة الأمريكية تجد نفسها في موقع بالغ الحساسية. فمن جهة، هناك التزام سياسي وعسكري راسخ تجاه إسرائيل، يتجلى بوضوح في الدعم غير المشروط لحربها على غزة، سواء عبر السلاح أو الغطاء الدبلوماسي في مجلس الأمن. ومن جهة أخرى، تدرك واشنطن أن أي تصعيد مباشر مع إيران قد يجرّها إلى حرب إقليمية لا ترغب فيها، خاصة في ظل أعباء داخلية وانتخابية واقتصادية متراكمة.
وفقًا لتقارير واشنطن بوست، فإن المؤسسة الأمنية الأمريكية تميل إلى احتواء التصعيد، وتفضّل مسارات تفاوضية تقلل من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة شاملة. هذا التباين بين الرؤية الأمريكية والإسرائيلية يفسر جانبًا من التوتر غير المعلن بين الطرفين، رغم الخطاب العلني المتماسك.
لكن الخطورة تكمن في أن الدعم الأمريكي لإسرائيل، خصوصًا في سياق حرب غزة، يضعف قدرة واشنطن على لعب دور الوسيط النزيه. فإيران وحلفاؤها ينظرون إلى أمريكا كطرف مباشر في الحرب، لا كوسيط، وهو ما يرفع منسوب الشك ويزيد احتمالات سوء التقدير.
التصعيد كأداة تفاوض
المفارقة أن التصعيد ذاته قد يتحول إلى أداة تفاوضية. إسرائيل تراهن على أن رفع مستوى التوتر سيدفع أمريكا إلى التشدد مع إيران، بينما تراهن طهران على أن ضبط النفس النسبي، مقابل تصعيد محسوب عبر الحلفاء، قد يُجبر واشنطن على تقديم تنازلات.
هذا التلاعب بحافة الهاوية يحمل مخاطر جسيمة. فخطأ واحد في الحسابات، أو ضربة غير محسوبة، قد يشعل مواجهة تتجاوز حدود السيطرة. التجربة التاريخية في المنطقة تؤكد أن التصعيد غالبًا ما يبدأ محدودًا، ثم يتدحرج بسرعة إلى صراع أوسع، خاصة في بيئة مشبعة بالسلاح والاحتقان.
وفي ظل استمرار المجازر الإسرائيلية في غزة، والدور الأمريكي المباشر في دعمها، يصبح أي تصعيد إضافي محمّلًا بغضب شعبي عربي وإسلامي متراكم، ما يوسّع دائرة الفاعلين ويعقّد فرص الاحتواء.
ما الذي تخشاه إسرائيل فعلًا؟
الخوف الإسرائيلي الأعمق لا يرتبط فقط بإيران، بل بإمكانية تغيّر قواعد اللعبة. أي اتفاق أمريكي–إيراني، حتى لو كان محدودًا، قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في المنطقة، وتقليص الاعتماد المطلق على إسرائيل كحليف وحيد.
كما تخشى تل أبيب من أن يؤدي التفاوض إلى تراجع مبررات التصعيد الدائم، وهو ما يضع سياساتها التوسعية، وحروبها المفتوحة، تحت مجهر دولي أشد قسوة. في هذا السياق، تصبح زيارة نتنياهو محاولة أخيرة للإبقاء على المنطقة في حالة توتر دائم، لأن السلام، حتى الهش، قد يكون أخطر على مشروعه من الحرب.










