في كلمة اتسمت بالصراحة والتحذير من مغبة التفاؤل المفرط، استبعد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، اليوم الاثنين خلال النسخة الخامسة عشرة من مؤتمر الشرق الأوسط الذي ينظمه نادي فالداي الدولي للحوار، أن تشهد المنطقة حالة من الهدوء أو الاستقرار المستدام في المستقبل القريب.
وأوضح لافروف أن المشهد الإقليمي لا يزال يفتقر إلى الركائز الأساسية التي تضمن السلام، مشيراً إلى أن كثرة المبادرات المطروحة على الساحة الدولية لم تنجح حتى الآن في ملامسة الأسباب الحقيقية للصراع.
ويأتي هذا التصريح في وقت حساس من عام 2026، حيث تتجه الأنظار نحو تطبيق المرحلة الثانية من خطة السلام الأمريكية، وسط تساؤلات روسية ودولية مشروعة حول مدى جدية هذه الخطوات في تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني وضمان الأمن الإقليمي الشامل.
"مجلس السلام" الأمريكي وتحليل الأسباب الجذرية للصراع
تطرق لافروف في حديثه إلى "مجلس السلام" الذي أُنشئ بمبادرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مطلع العام الجاري، مشدداً على ضرورة أن ينصب تركيز هذا المجلس على معالجة "الأسباب الجذرية" للتصادم التاريخي في المنطقة بدلاً من الاكتفاء بالحلول الإجرائية أو المؤقتة.
وأشار وزير الخارجية الروسي إلى أن الهيئات التابعة لهذا المجلس، بما في ذلك الهيئة التنفيذية المكونة من "تكنوقراط فلسطينيين"، لا تزال تعمل ضمن إطار غير واضح المعالم من حيث الصلاحيات الفعلية أو القدرة على اتخاذ قرارات سيادية.
وترى موسكو أن أي هيئة إدارية لا تستند إلى قاعدة سياسية صلبة تضمن الحق في تقرير المصير، ستظل عاجزة عن إحداث التغيير المنشود في واقع يعاني من تداخلات أمنية وعسكرية معقدة على الأرض.
المرحلة الثانية من خطة ترامب.. بين إعادة الإعمار وإهمال الدولة
أعرب لافروف عن أمله في أن تسفر المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية عن توضيحات جادة، خاصة وأن واشنطن أعلنت انتقالها إلى التركيز على أعمال إعادة الإعمار والقضايا الإنسانية في قطاع غزة.
ورغم ترحيب روسيا بالجهود الإغاثية، إلا أن لافروف حذر من أن "القضية الأساسية" التي يتم تجاوزها باستمرار هي إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة.
وأوضح أن التركيز على المكونات الإنسانية واللوجستية، رغم أهميته، قد يكون بمثابة "تسكين مؤقت" للأزمة إذا لم يقترن بمسار سياسي واضح يؤدي إلى تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مؤكداً أن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق طالما بقي مصير الدولة الفلسطينية معلقاً في هواء الوعود غير المنفذة.
غزة تحت وطأة العنف.. غياب الوضوح في بنود الانسحاب ونزع السلاح
لفت وزير الخارجية الروسي إلى أن خطة ترامب للسلام لم تنجح حتى الآن في وضع حد نهائي لدورات العنف المتكررة في قطاع غزة، حيث لا تزال المنطقة تشهد موجات من التصعيد العسكري.
وانتقد لافروف غياب الوضوح في الملفات الأمنية الشائكة، ومن أبرزها "الانسحاب الكامل" للقوات الإسرائيلية من القطاع، وآلية "نزع سلاح حركة حماس"، وتنظيم المساعدات الإنسانية بعيداً عن القيود العسكرية. وأشار إلى أن الترتيبات المتعلقة بالقيادة التنفيذية للقطاع ومدى إشراك السلطة الوطنية الفلسطينية فيها تظل غامضة، مما يفتح الباب أمام استمرار حالة الفراغ الأمني والسياسي التي تخدم استمرارية التوتر وتعرقل أي جهود حقيقية للتنمية أو الاستقرار.
رؤية روسيا لمستقبل الشرق الأوسط في 2026
إن استبعاد لافروف لهدوء الأوضاع في القريب العاجل يعكس رؤية روسية نقدية للمقاربات الأحادية التي تتبناها واشنطن في ملف الشرق الأوسط.
وترى موسكو أن السلام العادل والشامل يتطلب العودة إلى المرجعيات الدولية والشرعية الأممية، بعيداً عن الصفقات التي تركز على الجوانب الاقتصادية على حساب الحقوق السياسية.
وفي ختام مشاركته في منتدى فالداي، جدد لافروف تأكيد موقف بلاده الداعم لحل الدولتين كخيار وحيد لا بديل عنه لإنهاء الصراع، محذراً من أن التجاهل المستمر لهذا الحل سيؤدي حتماً إلى مزيد من الانفجارات الأمنية التي قد تتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية لتلقي بظلالها على أمن المنطقة والعالم أجمع.










