في أروقة المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك، تتصاعد مؤشرات أزمة مالية غير مسبوقة تهدد قدرة المنظمة الدولية على مواصلة أداء مهامها الأساسية بعد أكثر من ثمانية عقود على تأسيسها. ففي 9 فبراير 2026، طلبت الأمم المتحدة رسميًا من الولايات المتحدة توضيحات دقيقة بشأن توقيت وحجم سداد متأخراتها المالية، التي تقترب من أربعة مليارات دولار، وذلك عقب تعهّد غامض من السفير الأمريكي لدى المنظمة بدفع “دفعة أولية” خلال أسابيع، دون تحديد قيمتها أو وجهتها.
ويأتي هذا الطلب في ظل تحذير علني أطلقه الأمين العام أنطونيو غوتيريش في 28 يناير، حذّر فيه من “انهيار مالي وشيك” قد يضرب المنظمة، ويشلّ قدرتها على تنفيذ ولاياتها في مجالات السلم والأمن، وحقوق الإنسان، والعمل الإنساني، والتنمية المستدامة. لكن الأزمة، في جوهرها، لا تقتصر على اختلال السيولة، بل تعكس تآكلًا أعمق في بنية النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وقام على مبدأ تقاسم الأعباء والالتزام الجماعي بتمويل العمل متعدد الأطراف.
كيف يُموَّل النظام الدولي؟
يعتمد التمويل الأساسي للأمم المتحدة على مساهمات إلزامية تُفرض على الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة، وفق معادلة تأخذ في الاعتبار حجم الاقتصاد والدخل القومي، وتُراجع كل ثلاث سنوات. ويبلغ حجم الميزانية العادية للمنظمة لعام 2026 نحو 3.45 مليارات دولار، بعد خفضها بنسبة 7% مقارنة بالعام السابق، في إجراء تقشفي استباقي يعكس عمق الأزمة.
إلى جانب ذلك، توجد ميزانية منفصلة لعمليات حفظ السلام تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويًا، فيما تعتمد وكالات متخصصة مثل مفوضية اللاجئين ومنظمة الصحة العالمية على التمويل الطوعي، ما يجعلها أكثر هشاشة أمام التحولات السياسية للدول المانحة.
وتُعد الولايات المتحدة المساهم الأكبر في النظام الأممي، إذ تتحمل 22% من الميزانية العادية، ونحو 28% من ميزانية حفظ السلام. غير أن هذا الدور، الذي شكّل تاريخيًا ركيزة استقرار مالي للمنظمة، تحوّل تدريجيًا إلى أداة ضغط سياسي. فبحلول مطلع فبراير 2026، بلغت المتأخرات الأمريكية أكثر من 2.19 مليار دولار في الميزانية العادية وحدها، إضافة إلى نحو 2.4 مليار دولار لعمليات حفظ السلام، ومتأخرات أخرى تخص المحاكم الدولية.
ويمثل هذا الرقم أكثر من 95% من إجمالي متأخرات الدول الأعضاء، في وقت لم تسدد سوى 61 دولة فقط كامل مساهماتها عن عام 2026، ما يعكس أزمة التزام جماعي لا تقتصر على واشنطن وحدها، لكنها تتجسد فيها بأوضح صورها.
خطوة إجرائية أم مواجهة سياسية مؤجلة؟
طلب الأمم المتحدة توضيحات من واشنطن لم يكن خطوة بروتوكولية، بل تعبيرًا عن قلق حقيقي من الغموض الأمريكي المتعمّد. فالتعهّد بدفع “دفعة أولية” دون تحديد إن كانت ستغطي متأخرات 2025، أو مساهمات 2026، أو جزءًا من ميزانية حفظ السلام، يترك المنظمة في حالة شلل تخطيطي، ويعقّد قدرتها على إدارة السيولة.
ويعكس هذا الغموض مقاربة سياسية اعتمدتها الإدارة الأمريكية في السنوات الأخيرة، تقوم على استخدام التمويل كأداة نفوذ لإعادة تشكيل المنظمة وفق أولويات واشنطن، تحت شعارات “الإصلاح” و”خفض الهدر” و”أمريكا أولًا”. وبهذا المعنى، لا تمثل المتأخرات مجرد إخلال مالي، بل وسيلة لإعادة ضبط العلاقة بين القوة المهيمنة والنظام متعدد الأطراف الذي أسهمت أصلًا في بنائه.
استقلالية الأمم المتحدة تحت الضغط
أحد أخطر تداعيات الأزمة المالية يتمثل في تقويض استقلالية الأمم المتحدة. فحين تتحول المنظمة إلى كيان مديون يعتمد على حسن نية عدد محدود من المانحين الكبار، تصبح ولاياتها السياسية والأخلاقية عرضة للمساومة.
في هذا السياق، تتأثر بشكل خاص منظومة حقوق الإنسان، التي شهدت خفضًا حادًا في الميزانية، أدى إلى إلغاء عشرات الوظائف وتقليص التحقيقات في الانتهاكات الجسيمة. ويخشى مراقبون من أن يؤدي هذا الوضع إلى تعطيل آليات المساءلة في ملفات حساسة، ما يمنح مرتكبي الانتهاكات هامشًا أوسع للإفلات من العقاب.
كما تواجه عمليات حفظ السلام خطر التقليص أو الانسحاب، في وقت تتصاعد فيه النزاعات المسلحة عالميًا. فخفض الموارد لا يعني فقط تقليص النفقات، بل إعادة تعريف أولويات السلم الدولي وفق ميزان القوى والقدرة على الدفع، لا وفق الحاجة الإنسانية أو القانونية.
تمويل متآكل ونظام دولي يتفكك
تعكس أزمة التمويل الحالية مسارًا أوسع من تآكل النظام الدولي. فالنظام الذي قام بعد 1945 على فكرة أن الاستقرار العالمي مصلحة مشتركة، بات اليوم رهينة الحسابات القومية الضيقة، وصعود النزعات الأحادية، وتراجع الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف.
وتشير هذه الأزمة إلى تحول خطير في مصادر الشرعية الدولية: من الالتزام الجماعي بالقانون والمؤسسات، إلى منطق القوة والتمويل الانتقائي. كما تفتح الباب أمام قوى أخرى لملء الفراغ المالي والسياسي، ما قد يؤدي إلى إعادة توجيه أولويات المنظمة بما يخدم مصالح مانحين جدد، ويعمّق الاستقطاب داخلها.
مفترق طرق: إنقاذ مؤقت أم انهيار تدريجي؟
إن طلب الأمم المتحدة توضيحات من واشنطن ليس مجرد مسألة محاسبية، بل اختبار حاسم لقدرة النظام الدولي على البقاء. فحتى لو سددت الولايات المتحدة جزءًا من متأخراتها، فإن الأزمة البنيوية ستظل قائمة ما لم يُعاد النظر في نموذج التمويل، وآليات الالتزام، والعلاقة بين القوة والسيادة داخل المنظمة.
في حال استمرار هذا المسار، قد تتحول الأمم المتحدة من إطار جامع لإدارة الأزمات العالمية، إلى منصة رمزية محدودة التأثير، بينما تتجه الدول إلى ترتيبات ثنائية أو تكتلات بديلة، بما يهدد منظومة القواعد التي حكمت العلاقات الدولية لعقود.
وبين الانهيار المالي الفوري، والتآكل البطيء للشرعية والفعالية، تقف الأمم المتحدة اليوم عند مفترق طرق تاريخي: إما إعادة إحياء مبدأ المسؤولية الجماعية، أو التسليم بدخول النظام الدولي مرحلة تفكك مفتوحة، عنوانها الأبرز أن العالم لم يعد مستعدًا لتمويل النظام الذي ادّعى يومًا أنه يحميه.










