المقدمة: من الردع إلى التآكل
لم يعد الصراع العربي-الإسرائيلي صراعاً عسكرياً تقليدياً انعكاس لحرب 7 أكتوبر. ما نشهده اليوم هو تحول بنيوي في منطق القوة ذاته. إسرائيل، التي بنت استراتيجيتها على "الردع"—أي القدرة على إرهاب الخصم حتى لا يتجرأ على التحدي—تجد نفسها أمام معادلة جديدة: قوة عسكرية تفوق لا تُترجم إلى نتائج استراتيجية، وخصم يتجدد رغم التدمير وغزة وإيران النموذج.
إن ما حدث إثر 7 اكتوبر ليس "تعادلا" أو من غير الواقع أن يعتبر هزيمة عسكرية، بل تفكيكاً لمنطق الردع من الداخل. والسؤال ليس: من ينتصر؟ بل: من يستطيع الاستمرار ولم يرتدع؟
اذا لم يتحقق الردع للخصم حتى تحت النار فهذا لا يمكن أن يحسب نصرا أو تعادلا بل هزيمة للعدو
المحور الأول: المقاومة كـ"لاعب" لا كـ"موضوع"
المقاومة كانت موضوعا ما قبل 7 اكتوبر انا بعد فهي لاعب اجتازت الفينو الاسرائيلي للتفاوض المباشر مع أمريكا والغرب ودول الإقليم بل فرضت حضورا قويا.
الاعتراف الدولي المتزايد بالمقاومة—حتى في صورته المحدودة—يُمثّل نقلة نوعية. الغرب لم يعد ينفي وجود "حماس" أو "الجهاد" كحقائق على الأرض، بل يحاول إعادة تطويعها: من "إرهاب" إلى "شعب يقاوم"، من "منظمة" إلى "حالة".
لكن هذا "الاعتراف" قد يحمل في طياته خديعة: تحويل القوة العسكرية إلى ضغط شعبي "مدني"، وتحويل المقاومة إلى "دولة" أو كيان سياسي ضعيف محصور في غزة تحت مجلس سلام دولي. الهدف هو تحجيم القدرة العسكرية دون إزالة الشخصية السياسية كلية.
هنا تكمن حدة التحدي: هل تستطيع المقاومة الاحتفاظ بقوتها العسكرية—المجمدة أو الفاعلة—ودخول اللعبة السياسية دون أن تُذاب فيها؟
الإجابة تقتضي فهماً عميقاً للمنطق الإسرائيلي: إسرائيل لا تخشى "السلام" بمنكق الاستسلام والاعتراف بالوجود اليهودي، بل تخشى السلام المشروط. أي سلام يفرض حدوداً، ويُنهي التوسع، ويُعيد توزيع الموارد. المقاومة التي تُجمد قوتها لكن تبقيها رهينة للمستقبل الاحتياط القابل للعودة عند الحاجة في الصراع، تُحافظ على "الشرط" الذي يُخيف إسرائيل أكثر من الحرب.
المحور الثاني: "خراب الممالك" الإسرائيلي
تمر إسرائيل بأزمة هوية غير مسبوقة. ليست أزمة "أمن"—فالجيش لا يزال قوياً—بل أزمة شرعية داخلية. النموذج الصهيوني التقليدي (دولة يهودية-ديمقراطية-قوية) يتفكك تحت ضغط:
- فشل الردع العسكري.
- تزايد العزلة الدولية.
- صراع داخلي بين "اليهودية" و"الديمقراطية"
ـ ملاحقة قضائية دولية الجنايات الدولية.
اليمين المتطرف، بزعامة نتنياهو، يُقدّم حلاً شكلياً: الحرب الأبدية. الحرب ليست وسيلة لتحقيق هدف، بل هدف بذاته—لأن فيها "بقاء" للنظام السياسي. لكن هذا المنطق بحد ذاته استنزافاً داخلياً: تآكل المؤسسات، ونزاع على الصلاحيات، فقدان الثقة بالقيادة، وصراع على "من نحن؟"
"خراب الممالك" هنا ليس سقوطاً عسكرياً وشيكاً، بل تآكلاً في القدرة على القرار. إسرائيل تصبح "مملكة"—أي كيان يعتمد على هوية تاريخية متخيلة مشتركة—تفقد تدريجياً سبب وجودها كما عرفته أجيال سابقة.
المحور الثالث: ترامب و"السلام" كغطاء
يُقدّم ترامب "مجلس السلام" هدية لنتنياهو، لكن التحليل يكشف العكس: المجلس هو غطاء لفشل لا يمكن إخفاؤه. نتنياهو، الذي فشل في تحقيق "النصر" و"الأمن" و"الضم"، يحتاج إلى استعراض يُبقي في السلطة وان يحاول أحد أقطاب اليمين سموتريتش تغير الوضع في الضفة ويفرض الضم ويتجاوز اتفاقية السلام أوسلو ويتحدث العالم.
هذا "الغطاء" يحمل انعكاسات خطيرة على إسرائيل:
- يُظهرها كدولة غير قادرة على إدارة شؤونها دون حماية أمريكية مباشرة، ولقاء نتنياهو بطلب منه ترامب يعبر عن القلق من التراجع الأمريكي الأولويات اسرائيل في الحرب ضد إيران.
- يُضعف مكانة "الردع" الإقليمي—إذا كنت بحاجة إلى "مجلس" لحمايتك، فأنت لست "الأقوى".
- يُعمّق الاعتمادية على أمريكا في لحظة تُعيد فيها أمريكا حساباتها الاستراتيجية.
"أمريكا أولاً" لا تعني "إسرائيل أخيراً"، لكنها تعني تسعيراً جديداً: إسرائيل لم تعد "أصلاً استراتيجياً" غير قابل للمساومة، بل أصلاً مُكلفاً يُحتاج إلى تبريره.
المحور الرابع: استراتيجية "الانتظار"
في هذا السياق، تبرز حكمة الانتظار كاستراتيجية للمقاومة . ليس الانتظار هزيمة أو استسلاماً، بل صبر تكتيكي يسمح للتناقضات داخل كيان العدو بالنضج:
- تناقضات إسرائيل الداخلية (العلمانيية ضد الدينية، السلام ضد التوسع الذي يتطلب حربا)
- تناقضات أمريكا (الالتزام الأمني ضد المصالح الاقتصادية مع الصين والخليج)
- تناقضات النظام الإقليمي (التطبيع ضد الرأي العام، المصالح القطرية ضد الأمن الجماعي)
المقاومة التي تحتفظ بقوتها مجمدة—جاهزة لكن غير مستنزفة—تُحافظ على الرهينة الاستراتيجية الزمن، في هذه الحالة، ليس حليفاً آليّاً، بل ساحة يُعاد فيها توزيع القوى.
الخلاصة: نحو نظام إقليمي جديد
7 أكتوبر:
ما نشهده ليس "نهاية الصراع"، بل إعادة تشكيل شروطه. المقاومة تتحول من "رد فعل" إلى "فاعل"، لكن التحدي يبقى في الترجمة السياسية للنجاح العسكري. إسرائيل تواجه "خراب ممالك" داخلي قد يؤدي إلى تصعيد أو إلى انهيار، لكنه في كل الأحوال يُضعف القدرة على فرض الشروط.
النظام الإقليمي الجديد—إذا تبلور—لن يُبنى على "السلام" التقليدي (أوسلو وما بعده)، بل على توازن رهيب: قوة مجمدة، هدنة مؤقتة، وصراع دائم على إعادة تعريف القواعد.










