لم يكن فشل تجربة قسد وPYD وليد لحظة مفاجئة، ولا نتيجة “مؤامرة خارجية” كما يحلو للبعض ترديده، بل حصيلة مسار طويل من الأخطاء البنيوية في الرؤية والإدارة والتحالفات. فطوال سنوات، تصرّف هذا الثنائي وكأنّ القضية الكردية ملكية حزبية مغلقة، لا شأن للشعب بها إلا بوصفه خزانًا بشريًا للتجنيد والشرعنة، أو ورقة تفاوض تُستخدم عند الحاجة.
منذ البداية، جرى اختزال المجتمع الكردي بتكويناته المتعددة في إطار أيديولوجي ضيّق، لا يعترف بالتنوّع السياسي ولا بالتعدد الاجتماعي. أُقصيت الأحزاب المنافسة، وقُمعت الأصوات المستقلة، وجرى التعامل مع أي نقد بوصفه خيانة، لا اختلافًا مشروعًا. وهكذا تحوّل “التحرير” المزعوم إلى سلطة أمنية مغلقة، تُدار بالترهيب أكثر مما تُدار بالشرعية.
أولًا: الفشل الاستراتيجي – سوء تقدير موازين القوة
على المستوى الاستراتيجي، راهنت قسد وPYD على تحالف وظيفي مع القوى الدولية، وخصوصًا الولايات المتحدة وفرنسا، دون امتلاك قراءة واقعية لطبيعة هذا التحالف وحدوده. جرى التعامل مع الوجود الأميركي وكأنه ضمانة دائمة، لا أداة مؤقتة مرتبطة بأجندة عسكرية محدودة: محاربة داعش لا أكثر.
هذا الرهان كشف عجزًا علميًا في تحليل سلوك القوى الكبرى؛ فالتاريخ السياسي الحديث يثبت أن التحالفات غير المتكافئة، القائمة على الحاجة الأمنية لا على المصالح البنيوية المشتركة، تنتهي دائمًا بتخلّي الطرف الأقوى عند أول تبدّل في الأولويات. وهو ما حصل حرفيًا.
الأخطر أن هذا الرهان لم يُرفَق بخطة بديلة، ولا باستراتيجية خروج، ولا ببناء عمق وطني سوري حقيقي. فبدل توسيع قاعدة الشراكة السورية، جرى تعميق العزلة، وكأنّ الجغرافيا يمكن أن تنفصل عن محيطها بالقوة وحدها.
ثانيًا: الفشل السياسي – احتكار التمثيل وإفراغ التفاوض
سياسيًا، ارتكبت قسد وPYD خطأً قاتلًا حين احتكرتا تمثيل الكرد، وتعاملتا مع التفاوض وكأنه شأن حزبي داخلي، لا قضية شعب كامل. التفاوض لا يكون قويًا إلا بقدر ما يستند إلى تفويض اجتماعي حقيقي، وإلى تعددية سياسية تعبّر عن وزن المجتمع لا عن وزن السلاح.
اليوم، وبعد أن انتهت الأوراق عمليًا، يصبح الذهاب إلى دمشق في “الوقت بدل الضائع” وهمًا سياسيًا. فالدولة السورية، بمنطقها التقليدي، لا تفاوض إلا من يملك أوراق ضغط حقيقية. وكل ما يمكن أن يُقدَّم الآن هو تثبيت ما تم الاتفاق عليه سابقًا، لا إضافة سطر واحد جديد.
ومن يروّج لعكس ذلك، إما لا يفهم قواعد التفاوض، أو يفهمها جيدًا لكنه يبحث عن موقع، أو منصب، أو مكسب شخصي على حساب قضية أنهكها الاستهلاك.
ثالثًا: الفشل الاجتماعي – كسر الثقة وتدمير النسيج
اجتماعيًا، كان الثمن أفدح. لم تكتفِ السلطة القائمة بالإقصاء السياسي، بل مارست إقصاءً مجتمعيًا مباشرًا: اعتقالات، نفي، تشهير، اغتيال معنوي، وأحيانًا جسدي. تحوّل الخلاف السياسي إلى خطر وجودي، وتحولت المجتمعات المحلية إلى فضاءات خوف وصمت.
وهنا يظهر أخطر ما في التجربة: تدمير الثقة بين الناس والسلطة. فالسلطة التي تُخيف مجتمعها لا يمكن أن تمثّله، والكيان الذي يقوم على القسر لا يصمد عند أول اختبار حقيقي. وهذا ما نراه اليوم بوضوح.
رابعًا: البعد العلمي – غياب الدولة وبناء “اللا-نظام”
من منظور علم السياسة، لم تنجح قسد وPYD في بناء نموذج دولة، ولا حتى نموذج حكم محلي مستقر. ما أُقيم كان خليطًا من إدارة عسكرية، وأيديولوجيا حزبية، ورعاية خارجية. هذا النموذج يُصنَّف في الأدبيات السياسية كـ “سلطة أمر واقع”، لا ككيان قابل للاستدامة.
سلطات الأمر الواقع تعيش على التوازنات المؤقتة، وتموت بسقوطها. وهي لا تترك خلفها مؤسسات، بل فراغًا وأزمات.
الخلاصة
كفى. اتركوا الناس وشأنهم. دعوا المجتمع يلتقط أنفاسه بعد سنوات الدم والقتل والتشريد. نحن لا نطلب امتيازات، ولا أوهامًا قومية، ولا مشاريع فوق طاقة البشر. نطلب فقط حقوقًا متساوية في وطن واحد: لنا ما لهم، وعلينا ما عليهم.
وفي النهاية، خرج الشعب من هذا “المولد” بلا حمّص، بينما عرفنا جيدًا من اصطاد في الماء العكر، ومن بدّل تحالفاته عند أول اختبار، ومن جعل من القضية سلّمًا لا غاية.
قسد وPYD وحدهما المسؤولتان عن هذا المسار. ولا أحد غيرهما.










