أكد أمين المجلس الأعلى للدفاع الإيراني، الأدميرال علي شمخاني، في تصريحات حاسمة اليوم الأربعاء، أن القدرات الصاروخية للجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تخضع لأي شكل من أشكال التفاوض أو المقايضة السياسية.
وخلال مشاركته في مسيرات ذكرى الحادي عشر من فبراير، أوضح شمخاني أن المنظومة الدفاعية والصاروخية تقع خارج نطاق صلاحيات الوفود المفاوضة، مشدداً على أن هذه القدرات تمثل ركيزة أساسية للأمن القومي ولا يمكن طرحها على طاولة البحث مع القوى الدولية مهما كانت الضغوط.
وتأتي هذه التصريحات لترسم حدوداً واضحة للعملية الدبلوماسية الجارية، حيث تسعى طهران للفصل التام بين ملفها النووي السلمي وبرامجها الدفاعية التقليدية، مؤكدة أن سلاح الصواريخ هو الضمانة الوحيدة لمنع الاعتداءات الخارجية، وأن المساس بهذا الملف يعني تقويض المفهوم الاستراتيجي للدفاع الإيراني الذي لا يقبل التجزئة أو التفاوض.
معادلة الحرب الشاملة والرد على الاعتداءات المحدودة
وفي رسالة ردع مباشرة، حذر شمخاني من مغبة أي مغامرة عسكرية قد تفكر فيها الأطراف المعادية، مؤكداً أن قادة القوات المسلحة الإيرانية قد أثبتوا بالقول والفعل، ومن خلال استعراضات القوة الميدانية، أن عهد "الضربات المحدودة" قد ولى دون رجعة.
وأوضح الأدميرال الإيراني أن أي اعتداء عسكري على السيادة الإيرانية، مهما كان حجمه أو نطاقه، سيُعتبر بمثابة إعلان حرب شاملة.
هذه الحرب، بحسب شمخاني، لن تظل محبوسة في إطار جغرافي ضيق أو تنحصر بين طرفين فقط، بل ستتوسع لتشمل جبهات متعددة في المنطقة وخارجها.
إن هذا التحذير يعكس تطور العقيدة العسكرية الإيرانية التي انتقلت من الدفاع السلبي إلى الردع النشط، حيث تمتلك طهران القدرة على تحويل أي اعتداء موضعي إلى أزمة إقليمية واسعة النطاق تستنزف قدرات المعتدي وتضعه أمام خيارات صعبة ومكلفة.
أمن الطاقة والآثار الاقتصادية العالمية للنزاع
لم يقتصر حديث شمخاني على الجوانب العسكرية الصرفة، بل امتد ليشمل الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية لأي صراع محتمل في منطقة الشرق الأوسط.
وأشار بوضوح إلى أن طبيعة المنطقة الحساسة، بكونها المصدر الرئيسي للطاقة في العالم، تجعل من أي حرب فيها تهديداً مباشراً لاستقرار الاقتصاد الدولي.
وأكد أن التداعيات لن تقتصر على النواحي العسكرية، بل ستنعكس حتماً على حياة شعوب العالم أجمع من خلال التأثير على سلاسل التوريد وأسعار النفط والغاز.
إن ربط الأمن العسكري الإيراني باستقرار أسواق الطاقة العالمية يمثل رسالة ضغط قوية للقوى الغربية، مفادها أن زعزعة استقرار إيران ستؤدي بالضرورة إلى اضطراب في المعيشة اليومية للمواطن في أوروبا وأمريكا، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية كبح جماح التوجهات العدوانية لضمان استمرار تدفق الطاقة والأمان الاقتصادي العالمي.
المفاوضات بين المسار الجاد والاستعراض السياسي
فيما يخص المسار الدبلوماسي، دعا شمخاني الأطراف المقابلة في المفاوضات إلى انتهاج مسار "عقلاني وجاد" بعيداً عن أساليب الاستعراض الإعلامي والسياسي التي لا تخدم الحلول المستدامة.
وأكد أن التصرف العقلاني يقتضي الالتزام بالاتفاقيات والتركيز على النقاط الفنية والسياسية المشتركة، بدلاً من محاولة إقحام ملفات جانبية مثل القدرات الصاروخية التي سبق وأن حسمت طهران موقفها منها.
ووفقاً لما أفادت به وكالة "تسنيم" الدولية للأنباء، فإن شمخاني يرى أن الجدية في التفاوض هي السبيل الوحيد للخروج من الأزمات الراهنة، وأن محاولة فرض شروط تتعلق بالقدرات الدفاعية ستؤدي فقط إلى إطالة أمد الانسداد السياسي وزيادة منسوب التوتر، وهو ما لا يصب في مصلحة أي طرف يسعى حقاً لاستقرار المنطقة وتجنب المواجهات الكارثية.
وحدة الصف الداخلي واستعراض القوة الميدانية
تزامنت تصريحات شمخاني مع خروج مسيرات حاشدة في إيران، وهو توقيت يهدف لإظهار التلاحم بين القيادة السياسية والعسكرية والشعب. وأوضح شمخاني أن استعراضات القوة التي تقوم بها القوات المسلحة والحرس الثوري ليست مجرد عروض احتفالية، بل هي رسائل عملية موجهة لكل من يحاول المساس بأمن البلاد.
إن تكامل القوة الصاروخية مع الحاضنة الشعبية يشكل الدرع الحصين الذي يمنع القوى الكبرى من التفكير في الخيار العسكري. وأكد الأدميرال أن إيران اليوم أقوى من أي وقت مضى، وأنها لن تسمح لأي طرف بأن يملي عليها كيف تبني قدراتها الدفاعية. هذا الإصرار يعزز من مكانة طهران كمنافس إقليمي قوي يمتلك أوراق ضغط متعددة، تتراوح بين القدرة العسكرية الفائقة والتأثير الاستراتيجي على الممرات المائية الحيوية، مما يجعل من تجاوزها في أي معادلة أمنية إقليمية أمراً مستحيلاً.
يرسم كلام علي شمخاني ملامح المرحلة القادمة من الصراع والتفاوض في الشرق الأوسط، حيث تبرز الصواريخ الإيرانية كـ "خط أحمر" لا يمكن تجاوزه وإن الربط بين الأمن العسكري وأمن الطاقة يضع العالم أمام معادلة صفرية إما الاستقرار للجميع أو الفوضى التي ستطال آثارها الجميع.
إن نجاح المفاوضات يعتمد الآن على مدى قدرة الأطراف الدولية على استيعاب هذه الحقائق والتعامل مع إيران كقوة إقليمية ذات سيادة كاملة على قراراتها الدفاعية. وإذا استمر الطرف المقابل في سياسة "الاستعراض" ومحاولة تقييد القدرات الصاروخية، فإن المنطقة قد تظل فوق صفيح ساخن، بانتظار شرارة قد تحول أي احتكاك بسيط إلى انفجار بركاني يغير خارطة القوى العالمية ويعيد صياغة مفاهيم الأمن والسيادة في العصر الحديث.










