4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

السودان على حافة المجاعة في دارفور.. حرب مفتوحة تدفع الملايين نحو الكارثة الإنسانية

تتزايد التحذيرات الدولية من تفاقم أزمة الغذاء في السودان، مع مؤشرات متسارعة على اقتراب مناطق واسعة من دارفور من الدخول في مرحلة المجاعة، في ظل استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع

بقلم: أخبار ومتابعات
١٢ فبراير ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
9 مشاهدة
عائلات سودانية نازحة من الفاشر تتواصل مع عمال الإغاثة الذين يوزعون الإمدادات الغذائية في مخيم العفاد الذي تم إنشاؤه حديثاً في الضبعة، بولاية شمال السودان، الأحد 16 نوفمبر 2025. © أسوشييتد برس

عائلات سودانية نازحة من الفاشر تتواصل مع عمال الإغاثة الذين يوزعون الإمدادات الغذائية في مخيم العفاد الذي تم إنشاؤه حديثاً في الضبعة، بولاية شمال السودان، الأحد 16 نوفمبر 2025. © أسوشييتد برس

تتزايد التحذيرات الدولية من تفاقم أزمة الغذاء في السودان، مع مؤشرات متسارعة على اقتراب مناطق واسعة من دارفور من الدخول في مرحلة المجاعة، في ظل استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، وما نتج عنها من انهيار منظومات الغذاء والصحة والخدمات الأساسية.

وكانت مبادرة التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC)، أطلقت تنبيهاً عاجلاً حذرت فيه من تفاقم كارثي لأزمة الغذاء وسوء التغذية في السودان، متوقعة أن يحتاج نحو 33.7 مليون شخص، أي قرابة ثلثي السكان، إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، في ظل استمرار الحرب وقيود وصول المساعدات الإنسانية.

ويشير هذا التحذير إلى أن السودان لم يعد يواجه أزمة إنسانية تقليدية، بل أزمة وجودية تهدد حياة ملايين السكان، في وقت تتقاطع فيه عوامل النزاع العسكري مع انهيار الاقتصاد، وتفكك البنية التحتية، وتراجع قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من الأمن الغذائي.

توسع رقعة المجاعة.. دارفور في قلب الأزمة

أوضح تنبيه مبادرة التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي توسع رقعة المجاعة بعد تسجيلها في الفاشر وكادوقلي، وتجاوز منطقتي أم برو وكرنوي في شمال دارفور عتبات المجاعة، مع بلوغ معدل سوء التغذية في أم برو 52.9%، وهو ما يقارب ضعف حد المجاعة.

ويعكس هذا التطور انتقال الأزمة من مرحلة التحذير إلى مرحلة الانفجار، حيث لم تعد المجاعة محصورة في مناطق محددة، بل بدأت تمتد تدريجياً إلى مناطق جديدة، ما ينذر بإمكانية تحول دارفور بأكملها إلى بؤرة مجاعة واسعة النطاق.

كما تسبب القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في نزوح 9.6 مليون شخص، بينما يواجه أكثر من 21 مليون شخص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد نتيجة استهداف الأسواق وطرق الإمداد، ما يربط بشكل مباشر بين العمليات العسكرية وانهيار منظومة الغذاء في السودان.

ارتفاع غير مسبوق في سوء التغذية

توقعت المبادرة ارتفاع حالات سوء التغذية الحاد إلى 4.2 مليون حالة في عام 2026، مع وجود 20 منطقة إضافية في دارفور وكردفان مهددة فعلياً بالمجاعة، بالتزامن مع توقف أكثر من ثلث المرافق الصحية ونقص التمويل الإنساني.

وأكدت المبادرة أن المجاعة يُرجح استمرارها في المناطق المتأثرة رغم انتهاء الفترة الزمنية التي غطاها التحليل السابق، داعية إلى وقف الأعمال العدائية، وضمان وصول المساعدات دون قيود، وتوفير تمويل عاجل ومنقذ للحياة.

وبحسب بروتوكولات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، فإن التنبيه لا يصنف المناطق أو يقدم تقديرات للسكان، ولا يشكل إعلاناً رسمياً للمجاعة، بل يلفت الانتباه بشكل عاجل إلى أزمات الأمن الغذائي والتغذية بناء على أحدث الأدلة المتاحة، بهدف الدفع نحو اتخاذ إجراءات فورية.

ويستند هذا التنبيه الخاص بالسودان إلى المعلومات المتاحة حتى 27 يناير الماضي، ويسلط الضوء على تدهور الوضع الإنساني، في أعقاب تحليل التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي الذي نُشر في نوفمبر 2025، والذي صنف المجاعة في مدينتي الفاشر وكادوقلي، وحذر من خطر المجاعة في 20 منطقة في دارفور الكبرى وكردفان الكبرى.

ومنذ ذلك الحين، تجاوزت منطقتان إضافيتان في شمال دارفور عتبات المجاعة فيما يتعلق بسوء التغذية الحاد، وتصاعدت حدة النزاع في شمال وجنوب كردفان، ما خلق تحديات متزايدة في الوصول إلى السكان والمدن المحاصرة أو المعزولة، مثل الأبيض والدلنج وكادوقلي.

المجاعة في السودان
 

خبراء الأمم المتحدة: خطر المجاعة يتمدد

كما حذر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة من امتداد خطر المجاعة إلى مدينتي كرنوي وأم برو في شمال دارفور غرب السودان، بفعل موجات النزوح الضخمة، بينما تتواصل المعارك الدامية في غرب البلاد وجنوبها.

وأوضح خبراء التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد تم تجاوزها في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما كرنوي وأم برو المحاذيتان للحدود مع تشاد.

وفي ما يخص الوضع في أم برو، تظهر المعطيات أن 18.1% من الأطفال بين ستة أشهر وخمس سنوات يعانون من سوء تغذية حاد وخيم، في حين تبلغ النسبة 7.8% في كرنوي.

ويرتبط هذا التدهور، وفق الخبراء، بـ"التدفق الكثيف" للمدنيين إلى المنطقتين بعد استيلاء قوات الدعم السريع على الفاشر الواقعة جنوب غرب كرنوي وأم برو في تشرين الأول/أكتوبر.

أما قوات الدعم السريع، التي تخوض حرباً مع الجيش منذ أبريل 2023، فقد أحكمت سيطرتها على الفاشر نهاية العام الماضي، لتصبح دارفور بأكملها تقريباً تحت قبضتها باستثناء جيوب محدودة تسيطر عليها قوى محلية محايدة.

وبشأن حركة النزوح من الفاشر، تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 120 ألف شخص غادروها منذ سقوطها، وقد اتجه كثير منهم إلى مدن أخرى في شمال دارفور تعاني أصلاً قلة الموارد واكتظاظ النازحين.

وتعد هذه النسب المقلقة مؤشراً على خطر متزايد لوقوع وفيات يمكن تجنبها، وتثير مخاوف من انتشار ظروف كارثية مماثلة في مناطق مجاورة، بحسب الخبراء.

وخلال زحف قوات الدعم السريع نحو الفاشر، وثقت عدة تقارير عمليات قتل واغتصاب واختطاف واسعة النطاق، فيما توجه الاتهامات إلى طرفي النزاع في السودان بارتكاب تجاوزات جسيمة.

المجاعة كنتاج مباشر للحرب في السودان

تكشف المعطيات أن المجاعة في السودان ليست نتيجة عوامل طبيعية فقط، بل هي نتاج مباشر للحرب المستمرة، التي أدت إلى تفكيك الاقتصاد المحلي، وتدمير البنية الزراعية، وتعطيل الأسواق، وقطع طرق الإمداد.

ويأتي التحذير بعد قرابة ثلاثة أشهر من إعلان المجاعة في الفاشر وكادوقلي في جنوب كردفان، التي كانت خاضعة لحصار قوات الدعم السريع وحلفائها إلى أن تمكن الجيش هذا الأسبوع من فك الحصار.

وفي كادوقلي، ظلت المدينة تحت الحصار في معظم السنوات الثلاث الماضية، وكذلك مدينة الدلنج الواقعة على بعد 130 كيلومتراً إلى الجنوب، والتي حذر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي في نوفمبر من أنها تواجه ظروفاً مشابهة للفاشر وكادوقلي، بما ينذر باحتمال انتشار المجاعة، غير أن صعوبة الوصول إلى المدينة والتحقق من البيانات تحول دون صدور إعلان رسمي بالمجاعة.

وكشف الخبراء في تقريرهم أن موجات النزوح من الفاشر أسهمت في استنزاف موارد وقدرات المجتمعات المحلية وتفاقم انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد.

وفي معظم مناطق غرب السودان، تظل عملية التحقق من البيانات شديدة التعقيد بسبب قطع الطرق والاتصالات.

الكلفة الإنسانية للحرب في السودان

على صعيد الكلفة الإنسانية للحرب، تسبب النزاع المستمر منذ ما يقرب من ثلاث سنوات في استشهاد عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 11 مليون شخص داخل السودان وخارجه، يعيش كثير منهم في قرى أو مراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى المستلزمات الأساسية، في ما تصفه الأمم المتحدة بأنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وأمام هذه الأوضاع، نبهت الأمم المتحدة إلى أن مخزونها من المساعدات الغذائية قد ينفد بحلول أواخر مارس، فيما يحتاج أكثر من ثلثي السكان إلى دعم عاجل.

وعلى مستوى المسار السياسي، بقيت الجهود الدولية الرامية إلى التوصل لهدنة في السودان حبراً على ورق، حيث تلقى الجيش السوداني الشهر الماضي مقترحاً جديداً من الولايات المتحدة والسعودية، دون أن يعلن حتى الآن موقفه النهائي منه.

 المجاعة كوجه آخر للحرب في السودان

تكشف الأزمة في السودان أن المجاعة لم تعد مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل أصبحت أحد أدواتها ونتائجها المباشرة. فالحرب لا تقتل بالسلاح فقط، بل تدفع الملايين إلى الجوع، وتحوّل المدن إلى ساحات حصار، وتدمر منظومات الغذاء والصحة، وتخلق واقعاً إنسانياً يقترب من حدود الكارثة الشاملة.

وفي دارفور، حيث تتقاطع خطوط النار مع خطوط الجوع، تتجسد المأساة بأوضح صورها، إذ تتحول الحرب إلى محرك رئيسي للمجاعة، ويتحول السودان إلى نموذج صارخ لكيف يمكن للنزاعات المسلحة أن تدفع دولاً بأكملها إلى حافة الانهيار الإنساني.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال