يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد رسم ملامح واضحة لسياسته الخارجية، تتلخص في تجنب الحروب الشاملة والمكلفة لصالح "الردع الذكي" والصفقات العابرة للحدود.
رغم نشره لحاملات الطائرات "أبراهام لينكولن" وتعزيز التواجد العسكري في الخليج، إلا أن تصريحاته الأخيرة تؤكد ميله لخيار التفاوض؛ فقد صرّح مؤخراً عقب لقائه بنتنياهو بأنه "أقنع نفسه" بالتريث، مفضلاً مسار الدبلوماسية الذي استؤنف في مسقط وأنقرة.
ترامب يدرك أن كلفة الحرب مع إيران ستكون باهظة جداً اقتصادياً وسياسياً، وقد تضر بمشاريعه الكبرى في الداخل الأمريكي وتعرقل طموحه في أن يُخلّد كـ "رئيس صانع للسلام"، لذا، فإن قناعته بعدم جدوى الحرب تنبع من حسابات "الربح والخسارة"، حيث يرى أن خنق الخصوم اقتصادياً وعزلهم دولياً يحقق نتائج أكثر استدامة من القصف الجوي الذي قد يجر المنطقة إلى فوضى غير مسيطر عليها.
ماذا يريد نتنياهو من واشنطن؟.. قائمة المطالب ومخاوف "الصفقة السيئة"
وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في فبراير 2026 يحمل "قائمة مطالب" وصفتها التقارير بأنها "سقف المطالب القصوى".
نتنياهو يهدف بشكل أساسي إلى إقناع إدارة ترمب بإنهاء مسار المفاوضات مع إيران فوراً والعودة لخيار الضربة العسكرية لتدمير المنشآت النووية بالكامل، وهو ما يراه الضمانة الوحيدة لأمن إسرائيل.
وتتضمن قائمة نتنياهو شروطاً تعجيزية لأي اتفاق مع طهران، تشمل تفكيك البرنامج الصاروخي وتقليص مداه إلى 300 كيلومتر فقط، وإنهاء دعم الوكلاء الإقليميين.
كما يسعى نتنياهو للحصول على "ضوء أخضر" أمريكي لفرض واقع أمني جديد في قطاع غزة والضفة الغربية، يضمن سيطرة أمنية إسرائيلية طويلة الأمد تحت مسمى "منع عودة التهديد"، وهو ما يضع إدارة ترمب في موقف حرج بين رغبتها في إرضاء حليفها الوثيق وبين طموحها في عقد صفقة تطبيع إقليمية كبرى تشمل أطرافاً عربية وازنة.
المفاوضات الأمريكية الإيرانية.. احتواء ذكي أم تسوية شاملة للمنطقة؟
تطرح جولات التفاوض الحالية في عُمان وتركيا تساؤلات حول النوايا الحقيقية لواشنطن؛ فهل تستخدم هذه الحوارات كأداة "احتواء" لمنع انفجار المنطقة مؤقتاً، أم أنها تمهد لـ "تسوية شاملة" تعيد صياغة الشرق الأوسط؟ المؤشرات الحالية تشير إلى أن إدارة ترمب تتبنى نهجاً يجمع بين الأمرين؛ فهي تستخدم المفاوضات لتقييد حركة إيران النووية وتقليل التوترات البحرية، بينما تضغط في الوقت نفسه لفرض "خطة سلام شاملة" لغزة تتضمن نزع سلاح الفصائل وتسليم السلطة لجهات تكنوقراطية مدعومة بقوات دولية.
واشنطن ترى في المفاوضات وسيلة لـ "تحييد" إيران عن الملف الفلسطيني مقابل رفع تدريجي للعقوبات، وهو ما يزعج تل أبيب التي تخشى أن تؤدي هذه "التسوية" إلى اعتراف ضمني بنفوذ طهران الإقليمي. إن الاستراتيجية الأمريكية لعام 2026 تقوم على مبدأ "إدارة التوازنات"؛ حيث يتم إعطاء الجميع مكاسب جزئية لمنع الانفجار، مع الاحتفاظ بـ "العصا الغليظة" كخيار ثانوي إذا ما تعثرت مسارات الصفقات الكبرى.
مستقبل الشرق الأوسط بين صفقات ترمب وطموحات نتنياهو
يقف الشرق الأوسط في فبراير 2026 أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تنجح "دبلوماسية حافة الهاوية" التي ينتهجها ترمب في انتزاع اتفاق يرضي الحلفاء ويحيّد الخصوم، أو أن تنجح ضغوط نتنياهو في جر المنطقة نحو مواجهة كانت واشنطن تحاول تجنبها.
إن حالة "اللا حرب واللا سلم" التي تسود المشهد حالياً تعكس واقعاً معقداً، حيث لم يعد الحسم العسكري أداة ناجعة في عالم متشابك المصالح.
سيبقى الرهان قائماً على قدرة "صانع الصفقات" في البيت الأبيض على موازنة كفتي الميزان بين أمن إسرائيل المطلق وبين استقرار ممرات الطاقة والتجارة العالمية، في ظل إدراك عميق بأن ثمن الحرب في 2026 قد يكون أغلى مما يستطيع أي طرف دفعه، مما يجعل "التسوية الهشة" هي الخيار الأكثر واقعية في المدى المنظور.










