أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انضمام تل أبيب رسميًا إلى ما يُسمّى “مجلس السلام” الخاص بقطاع غزة، وهو كيان استحدثه ويرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. الخطوة أثارت جدلاً واسعًا، ليس فقط بسبب طبيعة المجلس وآلياته، بل بسبب هوية أحد أبرز أعضائه: رئيس وزراء أدانته المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب.
تعيين نتنياهو في مجلس يُفترض أنه يشرف على “مرحلة حكم مؤقت” في غزة يضع المبادرة الأمريكية في قلب تناقض قانوني وأخلاقي عميق. فالمجلس، وفق ما أُعلن، سيُعنى بإدارة شؤون القطاع وربما توسيع مهامه لاحقًا إلى نزاعات أخرى، بينما يضم طرفًا مدانا بارتكاب جرائم حرب بحق السكان الذين يُفترض أن يشرف على “السلام” في أرضهم.
غياب أي تمثيل فلسطيني حقيقي داخل مراكز صنع القرار في مجلس السلام يعمّق التساؤلات حول شرعيته، ويعيد إلى الأذهان نماذج إدارة خارجية تتجاوز الإرادة الوطنية للسكان المعنيين.
مساواة القاتل بالضحية
حركة “حماس” اعتبرت انضمام نتنياهو إلى مجلس السلام “مهزلة العصر”، ورأت فيه تكريسًا لسياسات الاحتلال بوجوه جديدة. القيادي أسامة حمدان شدد على أن الشعب الفلسطيني يرفض أي وصاية خارجية، ولا يمكن القبول بقوات دولية تحل محل جيش الاحتلال داخل قطاع غزة. كما رأى محمود المرداوي أن تعيين نتنياهو يتنافى مع حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ويكافئ سياسات الإبادة بدل مساءلتها.
في جوهر المقاربة الأمريكية، لا يجري التعامل مع الصراع بوصفه علاقة احتلال وشعب واقع تحت الاحتلال، بل كـ“نزاع بين طرفين” يحتاج إلى إدارة تقنية ومحايدة. هذه الصياغة تسوّي بين القوة القائمة بالاحتلال والضحايا، وتحوّل المساءلة القانونية إلى تفصيل يمكن تجاوزه باسم “الاستقرار”.
حين يُمنح المدان بارتكاب بجرائم حرب دورًا في رسم مستقبل الإقليم الذي شهد تلك الجرائم، فإن الرسالة الضمنية تتجاوز السياسة إلى إعادة تعريف معايير العدالة نفسها: من المساءلة إلى الشراكة، ومن العقاب إلى التفويض.
هندسة وصاية جديدة
ترامب أعلن تأسيس “مجلس السلام” في منتصف يناير، على أن يشرف على الحكم المؤقت لغزة، مع إمكانية توسيع التجربة لاحقًا. غير أن خبراء حقوقيين شبّهوا هيكلية المجلس بنماذج استعمارية كلاسيكية، حيث تتولى قوة خارجية، مدعومة بتحالفات إقليمية، إدارة شؤون منطقة دون تفويض شعبي مباشر.
المخاوف لا تتعلق فقط بتمثيل الفلسطينيين، بل بإمكانية تقويض دور الأمم المتحدة ووكالاتها العاملة في الأراضي المحتلة. فالمجلس، إذا ما اكتسب شرعية سياسية، قد يتحول إلى إطار بديل يتجاوز المرجعيات الدولية المعترف بها، ويعيد صياغة قواعد التدخل في النزاعات.
في هذا السياق، تبدو مشاركة بعض الحلفاء الإقليميين لواشنطن محاولة لعدم ترك الساحة خالية، فيما أبدت عواصم غربية تقليدية تحفظات واضحة وامتنعت عن الانضمام، إدراكًا لحساسية الانخراط في صيغة قد تُفسَّر كغطاء سياسي لإعادة ترتيب السيطرة على غزة.
تسويق السلام الانتقائي
المقاربة الأمريكية تسوّق مجلس السلام باعتباره منصة لإعادة الإعمار وتحقيق “سلام مستدام”. الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو أعلن عزمه حضور الاجتماع الافتتاحي في واشنطن، مؤكداً أن بلاده ستستغل المنصة للدفاع عن الحقوق الفلسطينية والدفع نحو حل الدولتين.
غير أن الإشكالية تكمن في البنية ذاتها: كيف يمكن لمنظومة سلام أن تُبنى دون الطرف الفلسطيني صاحب الأرض، أو في ظل وجود طرف مدان بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد السكان أنفسهم؟ السلام، في هذه الصيغة، يتحول إلى عملية إدارية لإدارة ما بعد الحرب، لا إلى مسار سياسي يعالج جذور الصراع.
كما أن الحديث عن “حكم مؤقت” يثير تساؤلات حول طبيعته: هل هو انتقال نحو سيادة فلسطينية كاملة، أم إدارة انتقالية مفتوحة بلا سقف زمني واضح، تُبقي القرار النهائي بيد القوى الخارجية؟
بين القانون والسياسة
إدماج نتنياهو في المجلس رغم ملاحقاته أمام المحكمة الجنائية الدولية يعكس أولوية السياسة على القانون في المقاربة الأمريكية. فالولايات المتحدة، التي لا تعترف باختصاص المحكمة على مواطنيها أو حلفائها، تتعامل مع الملف من منظور توازنات القوة لا منطق العدالة الدولية.
هذا النهج يضعف منظومة القانون الدولي ذاتها، إذ يرسل إشارة مفادها أن المساءلة قابلة للتعليق إذا تعارضت مع الحسابات الجيوسياسية. وفي حالة غزة، يعني ذلك عمليًا منح من يُفترض أن يُساءل حق المشاركة في تحديد شكل الحكم المقبل.
النتيجة ليست فقط أزمة ثقة فلسطينية، بل اهتزاز أوسع في مصداقية الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان، خاصة حين يُطلب من الضحية القبول بترتيبات يشرف عليها خصمه.
مجلس السلام: مستقبل بلا تمثيل
التحدي الأكبر أمام “مجلس السلام” لا يكمن في آلياته الإدارية، بل في افتقاده للقبول الشعبي الفلسطيني. أي صيغة لا تنطلق من حق تقرير المصير، ولا تعكس إرادة السكان، ستبقى إطارًا مفروضًا من الخارج مهما حملت من شعارات.
في نهاية المطاف، تكشف المبادرة الأمريكية عن مقاربة تسعى إلى إدارة الصراع بدل حله، وتمنح القوة القائمة بالاحتلال دورًا مركزيًا في رسم مستقبل الإقليم وليس فقط القطاع المحتل. وبين خطاب السلام وواقع القوة، يبقى السؤال: هل يمكن بناء سلام مستدام حين يُعاد تعريف العدالة بما يخدم الأقوى، ويُطلب من الضحية التكيّف مع شروط جلادها؟










