4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

قصف جديد للاحتلال على جنوب لبنان.. جبهة مشتعلة للردع أم تمهيد لمواجهة أوسع؟

يشهد جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً متواصلاً رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار مع حزب الله منذ نوفمبر 2024، ما يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة هذه الضربات: هل هي عمليات ردع محدودة أم خطوات تمهيدية لصراع أكبر؟

بقلم: شيماء مصطفى
١٥ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
10 مشاهدة
قصف جديد للاحتلال على جنوب لبنان

قصف جديد للاحتلال على جنوب لبنان

يشهد جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً متواصلاً رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار مع حزب الله منذ نوفمبر 2024، ما يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة هذه الضربات: هل هي عمليات ردع محدودة أم خطوات تمهيدية لصراع أكبر؟ فاستمرار الغارات يوحي بأن الهدوء الحالي هشّ وقابل للانفجار في أي لحظة.

غارات متفرقة 

شنّ جيش الاحتلال سلسلة غارات استهدفت مناطق عدة في الجنوب، حيث أفادت الوكالة اللبنانية بأن الطيران الحربي قصف منطقة الحميلة عند أطراف بلدة حومين الفوقا في إقليم التفاح، كما طالت الضربات بلدات مليخ وبصليا ومرتفعات جبل الريحان وأطراف بلدة سجد في جزين، في انتشار جغرافي يعكس محاولة إبقاء الضغط العسكري على امتداد الشريط الجنوبي.

هذا التوزع لا يشير إلى عملية عسكرية مركزة بقدر ما يعكس سياسة “الاستنزاف المنضبط”، أي توجيه ضربات محدودة ومتكررة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مع الحفاظ على القدرة على التصعيد عند الحاجة.

المسيّرات… حرب منخفضة الكلفة عالية التأثير

إلى جانب الغارات الجوية، ألقت طائرة مسيّرة إسرائيلية عبوات متفجرة على أربع مراحل على منزل غير مأهول في حي الكساير شرق بلدة ميس الجبل، في محاولة لتدميره. ويعكس هذا الأسلوب اعتماداً متزايداً على الطائرات المسيّرة كأداة قتال منخفضة المخاطر للقوات المهاجمة، لكنها ذات تأثير نفسي وأمني كبير على السكان.

فالضربات بالمسيّرات تسمح بتنفيذ عمليات دقيقة ومتكررة دون تعريض الطيارين للخطر، وتُبقي الجبهة في حالة توتر دائم دون تجاوز عتبة الحرب المفتوحة.

رواية عسكرية إسرائيلية

برر جيش الاحتلال هجماته بأنها استهدفت مستودعات أسلحة ومنصات إطلاق تابعة لحزب الله، مؤكداً تنفيذ ضربات شبه يومية داخل الأراضي اللبنانية. ويهدف هذا الخطاب إلى تقديم العمليات على أنها إجراءات وقائية لمنع تعاظم القوة العسكرية للحزب، لا عمليات هجومية تستهدف الدولة اللبنانية.

غير أن تكرار الضربات رغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار يضع هذه الرواية موضع تشكيك، خاصة في ظل غياب آلية فعالة لمنع الانتهاكات.

خروقات مستمرة

تندرج هذه العمليات ضمن سلسلة خروقات يومية للاتفاق الموقع في نوفمبر 2024، والذي أنهى مرحلة من التصعيد العسكري الكبير. وقد طالب مسؤولون لبنانيون مراراً بوقف الانتهاكات والالتزام ببنود الاتفاق، إلا أن تل أبيب تجاهلت هذه المطالب واستمرت في عملياتها.

هذا السلوك يعكس استراتيجية قائمة على “إدارة الصراع” بدلاً من حله، حيث يُستخدم الاتفاق كإطار سياسي شكلي بينما تستمر العمليات الميدانية بوتيرة منخفضة.

كلفة بشرية مرتفعة

أسفرت هذه الخروقات عن استشهاد وإصابة مئات المدنيين، ما يضاعف الضغط الداخلي على الدولة اللبنانية. كما تواصل إسرائيل احتلال خمسة تلال استراتيجية استولت عليها خلال الحرب الأخيرة، إضافة إلى مناطق أخرى تحتلها منذ عقود، ما يجعل مسألة السيادة جزءاً أساسياً من الصراع المستمر.

ويشير استمرار الاحتلال لهذه المواقع إلى رغبة في الاحتفاظ بأوراق ضغط ميدانية يمكن استخدامها في أي مفاوضات مستقبلية.

من حرب شاملة إلى مواجهة مُدارة

كان الاتفاق قد أنهى عدواناً بدأ في أكتوبر 2023 وتحوّل في سبتمبر 2024 إلى حرب واسعة النطاق، أسفرت عن أكثر من أربعة آلاف شهيد ونحو 17 ألف جريح. وبعد هذه الخسائر الهائلة، يبدو أن الطرفين يسعيان لتجنب حرب جديدة، لكن دون التخلي عن أدوات الردع والضغط.

وهنا تبرز معادلة “اللا حرب واللا سلم”، حيث تبقى الجبهة مشتعلة بشكل محدود يسمح لكل طرف بإظهار القوة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

ردع محسوب أم تمهيد تدريجي؟

من منظور عسكري، يمكن تفسير فتح جبهة لبنان المحدودة بثلاثة احتمالات رئيسية:

أولاً — ردع وقائي:
تهدف الضربات إلى منع حزب الله من إعادة بناء قدراته أو نقل أسلحة متطورة، مع إرسال رسالة بأن أي تحرك سيقابل برد فوري.

ثانياً — اختبار خطوط الرد:
قد تكون العمليات محاولة لجس نبض الحزب ومعرفة سقف ردوده، خصوصاً بعد حرب مكلفة للطرفين.

ثالثاً — تمهيد تصاعدي:
الاستهداف المتكرر لمناطق متعددة قد يشكل مرحلة تحضيرية لعملية أكبر، عبر إضعاف البنية العسكرية تدريجياً قبل توسيع نطاق المواجهة.

جبهة لبنان لم تُغلق فعلياً 

تكشف التطورات أن جبهة لبنان لم تُغلق فعلياً رغم وقف إطلاق النار، بل دخلت مرحلة جديدة من الصراع منخفض الحدة عالي الحساسية. فالضربات المتكررة تحافظ على ميزان ردع هش، لكنها في الوقت نفسه ترفع احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع إذا وقع خطأ في الحسابات أو رد غير متوقع.

وبين الردع والتمهيد، يبقى الجنوب اللبناني ساحة اختبار دائمة لقواعد الاشتباك الجديدة، حيث قد يتحول أي تصعيد محدود إلى شرارة حرب إقليمية أوسع في ظل التوترات المتشابكة في المنطقة.

خرق وقف إطلاق النار في لبنان.jpeg
 

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

قصف جديد للاحتلال على جنوب لبنان.. جبهة مشتعلة للردع أم تمهيد لمواجهة أوسع؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°