4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

مصطفي إبراهيم لـ"180 تحقيقات": إسرائيل تتعامل مع القدس كعاصمة لها.. والوجود الفلسطيني مؤقت

يقول مصطفي إبراهيم المحلل السياسي الفلسطيني أن المشهد في القدس لم يختلف عن غزة بل  يبدو أكثر تركيبًا وتشابكًا مما قد يظهر للوهلة الأولى

بقلم: سماح عثمان
١٥ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
13 مشاهدة
غزة والقدس تحت السيطرة الإسرائيلية

غزة والقدس تحت السيطرة الإسرائيلية

يقول مصطفي إبراهيم المحلل السياسي الفلسطيني أن المشهد في القدس لم يختلف عن غزة بل  يبدو أكثر تركيبًا وتشابكًا مما قد يظهر للوهلة الأولى، إذ تتداخل الأبعاد السيادية والأمنية والدينية في نسيج واحد يصعب فصله أو التعامل معه كملفات مستقلة. تتعامل إسرائيل مع المدينة بوصفها عاصمتها الموحدة، وتبني سياساتها على افتراض أن الوجود الفلسطيني فيها طارئ أو مؤقت سواء في القدس أو قطاع غزة، لا يحمل صفة الرسوخ أو الحق التاريخي والسياسي. هذا التصور لا يبقى حبيس الخطاب الرسمي، بل ينعكس يوميًا في إجراءات بلدية وأمنية وتشريعية تعيد تشكيل الفضاء المقدسي بما يخدم رؤية الضمّ والإحلال، ويضع الفلسطيني أمام واقع يتآكل فيه الحيز المتاح لحياته وحقوقه تدريجيًا.

ويؤكد إبراهيم لـ"180 تحقيقات"،ويتجلى هذا التداخل بأوضح صوره في التعامل مع المسجد الأقصى، حيث تتصاعد اقتحامات جماعات اليمين المتطرف تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، وبدعم مباشر أو غير مباشر من شخصيات نافذة في الائتلاف الحاكم مثل إيتمار بن غفير، وذلك في ظل حكومة يقودها بنيامين نتنياهو. هذه الوقائع، كما توثقها تغطيات إعلامية متعددة وتصريحات رسمية إسرائيلية، تعكس انتقالًا من إدارة صراع ديني-سياسي إلى محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض، تمسّ الوضع التاريخي والقانوني القائم، وتضع المدينة في قلب معادلة مفتوحة على احتمالات التصعيد.

إدارة غزة

 أشار مصطفى إبراهيم إلى أن المجلس التنفيذي للسلام، بقيادة ميل دانوف، انبثقت عنه لجنة وطنية لإدارة غزة بمهام مدنية وخدمية، وهو طرح يقدَّم باعتباره إطارًا تنظيميًا لإدارة شؤون الحياة اليومية في القطاع. هذا الترتيب، من حيث الشكل، يوحي بوجود محاولة لتخفيف العبء الإنساني والإداري عن السكان، عبر تمكين جهة فلسطينية من الإشراف على الخدمات الأساسية، من صحة وتعليم وبنية تحتية، في ظل أوضاع معقدة فرضتها الحرب والحصار وتدمير واسع للبنية التحتية.

 

غير أن القراءة السياسية الأعمق لهذا الطرح تكشف معادلة أكثر حساسية؛ إذ يبدو أن الهدف هو الفصل بين الإدارة المدنية والسيادة الأمنية، بحيث يُمنح الفلسطينيون هامشًا محدودًا لإدارة الشأن الخدمي، بينما يبقى القرار الأمني والاستراتيجي بيد الاحتلال. إنها صيغة يمكن توصيفها بـ"إدارة بلا سيادة"، حيث تتحول السلطة المحلية إلى منفّذ لشؤون يومية دون امتلاك أدوات القرار السيادي الحقيقي. وتكمن خطورة هذه المعادلة في أنها قد تُكرّس واقعًا طويل الأمد يُبقي الشعب الفلسطيني في موقع التابع إداريًا، والمقيّد سياسيًا وأمنيًا، في تناقض صريح مع حقه في تقرير مصيره كما نصت عليه مواثيق الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة.

مسار الدولتين

من الناحية النظرية، يُفترض أن تقود أي مرحلة انتقالية إلى مفاوضات فلسطينية إسرائيلية جادة تفتح الباب أمام حل الدولتين، وهو الإطار الذي تستند إليه عدة قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي، والتي تدعو إلى تسوية قائمة على إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية تعيش إلى جانب إسرائيل بأمن وسلام. هذا المسار ظل لعقود يُطرح باعتباره الخيار الواقعي الوحيد القادر على إنهاء الصراع ضمن تسوية سياسية متفق عليها دوليًا.

إلا أن هذا الطرح، رغم تكراره في الخطاب الدبلوماسي، بقي حتى الآن في نطاق التصريحات والمواقف النظرية، حتى مع صدور اعترافات بالدولة الفلسطينية من دول مثل فرنسا وبريطانيا، وفق ما أعلنته حكوماتها في سياقات سياسية مختلفة. فغياب الإرادة الدولية الفعلية، وافتقار المجتمع الدولي إلى ضغط جاد وملزم لإنفاذ قراراته، يجعلان من هذه الاعترافات أقرب إلى رسائل سياسية رمزية منها إلى خطوات تنفيذية تغير موازين القوى على الأرض. وهنا يتجلى التناقض بين الشرعية الدولية المكتوبة، والواقع السياسي الذي يُعاد تشكيله يوميًا بفعل القوة.

لحظة مفصلية

وفي ختام تصريحه، شدد مصطفى إبراهيم على أن ما يجري اليوم  في غزة لا يمكن اعتباره مجرد مرحلة انتقالية عابرة، بل هو لحظة مفصلية يعاد فيها رسم شكل غزة والقدس سياسيًا وأمنيًا، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة. فالمعادلات التي تُطرح اليوم، سواء في إدارة القطاع أو في فرض وقائع جديدة في القدس، تحمل في طياتها احتمالات إعادة تعريف العلاقة بين الأرض والسيادة، وبين السكان والسلطة، بما قد يرسخ واقعًا طويل الأمد يصعب تغييره لاحقًا.

ويبقى السؤال مفتوحًا على أكثر من احتمال: هل يُفرض هذا الواقع بالقوة إلى أجل غير مسمى، في ظل اختلال موازين القوى واستمرار الدعم الدولي غير المشروط لإسرائيل، أم تنجح الإرادة الفلسطينية، مدعومة بموقف عربي أكثر جرأة وتماسكًا، في كسر معادلة السيطرة وإعادة الاعتبار لمفهوم السيادة والحق الوطني؟ بين هذين المسارين يتحدد شكل المرحلة المقبلة، ليس فقط في غزة والقدس، بل في مجمل القضية الفلسطينية التي تقف اليوم أمام مفترق تاريخي حاسم.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال