4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: وَهْمُ القوّة: شرعنة التوحُّش

حين يشتري المالُ النفوذ… ولا يشتري الدولة يتكلم الجميع، كأن الكلمات وحدها تصنع موازين القوى.. "القرار السيادي خط أحمر". "سلاح المقاومة ضمانة لبنان".

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
١٥ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
20 مشاهدة
د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: وَهْمُ القوّة: شرعنة التوحُّش

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: وَهْمُ القوّة: شرعنة التوحُّش

حين يشتري المالُ النفوذ… ولا يشتري الدولة يتكلم الجميع، كأن الكلمات وحدها تصنع موازين القوى.. "القرار السيادي خط أحمر". "سلاح المقاومة ضمانة لبنان". "لن نسمح بتهديد أمن إسرائيل". "لن نستسلم للضغوط الأميركية"...كلمات في السياسة كما في الاقتصاد، لكن ليستِ الثروةُ درعاً بذاتها، ولا السلاح ضمانة بقاء، ولا الشعارات بديلاً عن الدولة. فكلُنا يعلم أن المال يمكن أن يشتري وقتاً، ويمكن أن يشتري نفوذاً مؤقتاً، لكنه لا يشتري الجغرافيا، ولا يغيّر حقائق ميزان القوى.

إن الإنسان النيتشوي الذي بشر به زرادشت كشخصية رمزية لفلسفة نيتشه هو الإنسان القوي الذي تعدى مرحلة الإنسان العادي بما تحتويه هذه الكلمة من كثافة عاطفية وخلقية حاضراً وماضياً، "لقد أتيتكم بنبأ الإنسان المتفوق"، ذلك المتعالي الذي لا يؤمن بالفضيلة أو العدل أو بما تشي به دلالات الأخلاق، وكأن لسلن حالة يقول: "لقد آن لكم أن تقولوا ما تهمني فضيلتي"، التي تتمثل في وجوديته فكرة إلغاء الخير من القاموس المعرفي لهذا الإنسان الأعلى، الإنسان الأخير.. "هل صرت آخر؟ وعن ذاتي غريباً؟ هل خرجت من ذاتي؟ كالمصارع الذي قهر نفسه مراراً؟ الذي أفرط في التصدي لقواه الخاصة، فبدا مجروحاً ومكبلاً بانتصاره الخاص؟".

هنا تبدأ حكاية "وَهْمُ القوّة" في لبنان، على تخوم إيران، وفي ظل صراع أميركي–إسرائيلي–إيراني يتجاوز الحدود، ويُرعب المنطقة بحاملات طائرات أمريكية أعتقد أنها واهية، فلبنان اليوم ليس مجرد دولة مأزومة؛ بل نموذج مكثّف لعلاقة مختلّة بين دولةٍ ضعيفة وفاعلٍ مسلح مدعوم من قوة إقليمية تستخدم الدبلوماسية المالية بديلاً عن الدبلوماسية التقليدية. والنتيجة مهلكة: (سيادة منقوصة، واقتصاد منهك، وموازنة 2026 معلّقة بين الإصلاح والانهيار).

إن إشكالية العلاقة بين لبنان وإيران لا تكمن في تبادل السفراء أو البيانات الرسمية، بل في مسار بُني خارج منطق الدولة–الدولة، منذ ثمانينيات القرن الماضي، عندما دعمت طهران "حزب الله" مالياً وعسكرياً، محوِّلة إياه إلى أداة نفوذ إقليمي داخل لبنان. ليصبح مع مرور الوقت القرار اللبناني رهينة توازن بين مؤسسات رسمية ضعيفة وتنظيم مسلح يمتلك قدرة عسكرية ومالية مستقلة، في بلد يعيش أكبر انهيار مالي في تاريخه الحديث. وحين تدخل الأموال في حقائب، لا عبر التحويلات النظامية، فذلك يعني شيئاً واحداً: "المال يُستخدم أداة نفوذ لا أداة تنمية".وكُلُنا يعلم أن لبنان الذي خسر أكثر من 90% من قيمة عملته منذ 2019، لا يحتمل اقتصاد ظلّ موازياً. فكيف تُبنى موازنة 2026 في ظل اقتصادين: واحد رسمي يبحث عن اتفاق مع صندوق النقد، وآخر نقدي خارج الرقابة؟. كما أن موازنة 2026 تواجه تحدياً مضاعفاً: عجز مزمن، إيرادات ضعيفة، وتضخم مرتفع. أي اهتزاز أمني أو عقوبات إضافية سيقوّض الثقة الهشة. وهنا يصبح السلاح ليس مجرد مسألة أمنية، بل بنداً مالياً مؤثراً في تصنيف لبنان الائتماني وفي علاقته بالمؤسسات الدولية. والمشكلة أن الاقتصاد اللبناني لم يعد يحتمل حلولاً وسطاً. إما إعادة تأسيس كاملة، أو استمرار في اقتصاد نقدي موازٍ يغذي نفوذ الميليشيات ويضعف الدولة، ببساطة لأنه فقد جزءاً كبيراً من أصوله، والودائع مجمّدة، والثقة مهشمة.

وهناك تقف المقدسات والوعي في جمهورية التذاكي التي يواجه فيها "مقاتل حزب الله الكولونيل الإسرائيلي" فهي ليست مجرد صورة دعائية؛ إنها اختزال لصراع هويات. لكن حين تسقط المقدسات في لعبة الردع المتبادل، يسقط معها جزء من الوعي الوطني، لنري أن لبنان يعيش ما يمكن تسميته "جمهورية التذاكي"، فالجميع يعرف الحقيقة، لكن أحداً لا يصرّح بها. فمن يصارح اللبنانيين بأن استمرار هذا المسار يعني مزيداً من العزلة والعقوبات والتآكل الاجتماعي؟.

وهناك المشهد الإقليمي في ثلاثيته المرعبة بين (ترمب ونتنياهو وطهران)، فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصرّح بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يهيئ الظروف لـ"اتفاق جيد" مع إيران. في المقابل، ترفض طهران مطالب "صفر تخصيب"، وتعتبرها إعلان استسلام، وهي الدولة التي تتحدث التقارير الحقوقية فيها عن آلاف الاعتقالات في إيران، واتهامات بالتعذيب وسوء المعاملة. وهنا نرى التناقض: تنازل محتمل مع الخارج لتخفيف العقوبات، وتشدد مع الداخل لضبط الشارع.. فإيران تلوّح بتخفيض نسبة التخصيب إلى أقل من 3.67%، أو حتى 1%، أو تجميد مؤقت. لكنها ترفض المساس ببرنامج الصواريخ أو شبكات النفوذ الإقليمي. أي اتفاق محتمل سيكون صفقة مؤقتة، لا تسوية شاملة. لنشاهد بالاثباث أن في الخلفية، حشد أميركي بحري، وحاملة طائرات في المنطقة، ورسائل ردع متبادلة. السؤال لم يعد: هل الحرب؟ بل: كم كلفتها إن وقعت؟.

إن اقتصاد الحرب في الشرق الأوسط له رابحون وخاسرون. الدول الصغيرة الغنية تعيش هاجس المقارنة مع القوى الكبرى. بعضها يؤمّن نفسه بشبكة مصالح عالمية – كما فعلت سنغافورة – وبعضها يظن أن تمويل النزاعات يخلق نفوذاً دائماً. فالرابحون: (شركات السلاح والقوى التي تبيع الحماية وأنظمة تبرر القمع بالخطر الخارجي)، أما الخاسرون: (الدول الهشة مثل لبنان والطبقات الوسطى والمؤسسات المدنية)، والتجربة الليبية في عهد القذافي أثبتت أن الثروة لا تحمي نظاماً إذا غاب العقل الاستراتيجي.

وبين الوهم والحقيقة أربه أضلاع، فتظُن إيران أن المال والسلاح وشبكات الوكلاء تمنحها عمقاً استراتيجياً، بينما يظن لبنان أن التوازن الهش يحميه من الانفجار، وبينهما إسرائيل تعتقد أن الضربات الوقائية تصنع أمناً دائماً، وأميركا تراهن على الردع والصفقات. لكن الحقيقة أبسط: المال وحده لا يصنع القوة. القدرة على إدارة التوازنات، وبناء مؤسسات قادرة على امتصاص الصدمات، هي ما يصنع النفوذ المستدام. ولبنان اليوم مثال حي على وهم القوة.

وقفة:

"القرار السيادي خط أحمر"، لكن السيادة لا تُعلن، بل تُمارس.

"سلاح المقاومة ضمانة لبنان"، لكن الضمانة الحقيقية هي الدولة القادرة.

"لن نستسلم للضغوط"، لكن العناد بلا حساب ليس شجاعة.

إذاً وَهْمُ القوّة هو أن تظن أن المال يشتري الجغرافيا، وأن السلاح يحل محل الدولة، وأن الصخب يغني عن الشرعية. وبين كل ذلك والشرق الأوسط اليوم يحتاج إلى أقل قدر من الشعارات، وأكثر قدر من الشفافية. لأن التاريخ القريب أثبت أن الثروة حين تنفصل عن الحكمة، وأن القوة حين تنفصل عن الدولة، تتحول من رافعة نفوذ… إلى عامل انكشاف.

 

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: وَهْمُ القوّة: شرعنة التوحُّش - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°