يعيش العالم، لحظة فارقة تشبه إلى حد كبير إعادة تشكيل القوى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ولكن هذه المرة بمحرك عكسي يقوده البيت الأبيض نفسه.
ووفقا لتقرير صادر عن "مؤتمر ميونخ للأمن 2026"، لم تعد أمريكا الحامي التقليدي للنظام العالمي، بل أصبحت الطرف الأكثر انخراطا في تفكيكه، وتتبنى إدارة الرئيس ترامب سياسة "تدمير القواعد" التي تتعارض مع المصالح القومية الأمريكية الضيقة.
هذا التحول الجذري دفع كييف إلى توجيه انتقادات لاذعة لواشنطن، معتبرة أن التردد الأمريكي وتقليص المساعدات العسكرية يمثل "خيانة للقيم الديمقراطية" وضوءاً أخضر لموسكو للاستمرار في قضم الأراضي الأوكرانية، مما وضع القارة العجوز أمام حقيقة مرة: القيادة الغربية لم تعد مضمونة من خلف الأطلسي، والاعتماد على "المظلة النووية" الأمريكية بات رهانا خاسرا في ظل تقلبات السياسة الداخلية في أمريكا.
وبحسب ما نشرته صحيفة "العربي الجديد" حول تقارير مؤتمر ميونخ، فإن العالم دخل "عصر سياسة التدمير"، حيث تخلت واشنطن عن دور "الشرطي العالمي" لتتحول إلى لاعب يبتز حلفاءه سياسياً واقتصادياً مقابل الحماية.
هذا المشهد القاتم فرض على القادة الأوروبيين، وعلى رأسهم المستشار الألماني "فريدريش ميرز"، الدعوة إلى تحول استراتيجي شامل يجعل من أوروبا "منتجاً للأمن" لا مجرد مستهلك له، مؤكداً أن القواعد الدولية التي صمدت لثمانين عاماً تتهاوى اليوم بفعل الانسحاب الأمريكي من الالتزامات الأخلاقية والسياسية، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات جدية حول قدرة تحالف أوروبي أمني جديد على سد الفراغ الذي خلفته واشنطن.
استقلالية أوروبا العسكرية
تمثل "الاستقلالية الاستراتيجية" اليوم حبل النجاة الوحيد لأوروبا في مواجهة التهديدات الروسية المتصاعدة، حيث بدأت المفوضية الأوروبية، بقيادة "أورسولا فون دير لاين"، في تحويل الاقتصاد الأوروبي إلى "اقتصاد حرب" مصغر لتعويض غياب التوريد العسكري الأمريكي. ووفقاً لتقارير "المبادرة" الصادرة في فبراير 2026، فإن القادة الأوروبيين بدؤوا خطوات عملية لتقليص الاعتماد على أمريكا عبر زيادة الإنفاق الدفاعي وتوحيد برامج المشتريات العسكرية، وهي الخطوة التي وصفها الأمين العام للناتو "مارك روته" بأنها "تصحيح مسار تاريخي" تفرضه الضرورة لا الرغبة.
ومع ذلك، تظل المعضلة الكبرى في القدرة على بناء ردع نووي وقوة تدخل سريع دون الغطاء اللوجستي الأمريكي، حيث تشير دراسات مركز "EPC" إلى أن أوروبا تحتاج لسنوات طويلة لسد الفجوة في مجالات الاستخبارات الفضائية والنقل الجوي الثقيل.
إن الاستقلال العسكري الأوروبي لم يعد خياراً ترفيهياً بل معركة وجودية، خاصة مع ربط واشنطن لضماناتها الأمنية بتنازلات تجارية قاسية، مما حول التحالف المقدس إلى علاقة "مقايضة" تجرد الغرب من تماسك الأخلاقي وتضعه في خانة الصفقات العابرة.
مستقبل الناتو
يعاني حلف شمال الأطلسي في عام 2026 من حالة "موت سريري" سياسي، فرغم استمرار الهياكل العسكرية، إلا أن روح التحالف تآكلت بفعل سياسات "ترامب" التي أضعفت المادة الخامسة المتعلقة بالدفاع المشترك.
وتفيد تحليلات "باكو نيتورك" بأن واشنطن بدأت عملياً في دفع أوروبا لتحمل "المسؤولية الأساسية" عن الدفاع عن القارة، بينما تركز هي على الصراع مع الصين في المحيط الهادئ، مما حول الناتو من حلف عالمي إلى منظومة إقليمية بعبء مالي أوروبي كامل، وهو ما يهدد بانهيار التماسك الداخلي للحلف إذا ما قررت دول شرق أوروبا البحث عن ضمانات أمنية منفصلة.
وعلاوة على ذلك، فإن التوترات العابرة للأطلسي وصلت إلى ذروتها بعد تلويح واشنطن المتكرر بالانسحاب من الحلف أو تجميد المساهمات، مما دفع دولاً مثل فرنسا وألمانيا إلى تسريع وتيرة إنشاء "نواة أمنية أوروبية" موازية للناتو.
هذا التحول يعني أن الناتو في مستقبله القريب قد لا يكون أكثر من مظلة رمزية، بينما تدار العمليات الحقيقية عبر تحالفات دفاعية أوروبية مصغرة، مما ينهي رسمياً حقبة "الوصاية الأمريكية" التي بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ويؤذن بميلاد نظام عالمي متعدد الأقطاب حتى داخل المعسكر الغربي نفسه.
العودة البريطانية
في مفارقة تاريخية لافتة، وجدت بريطانيا نفسها في فبراير 2026 مجبرة على إعادة التموضع أمنياً نحو القارة الأوروبية بعد عشر سنوات من "بريكست"، مدفوعة بالمخاوف من الانعزالية الأمريكية.
ووفقاً لتقرير "الشرق للأخبار"، فإن رئيس الوزراء البريطاني "كير ستارمر" يسعى لبناء "شراكة استراتيجية" مع الاتحاد الأوروبي تتجاوز الخلافات التجارية السابقة، لتكون لندن "الجسر" الأمني الذي يربط القدرات العسكرية البريطانية المتطورة بالعمق الاقتصادي الأوروبي في مواجهة التهديد الروسي المشترك.
إن إعادة الانخراط البريطاني في الأمن الأوروبي يعكس إدراك لندن بأن "العلاقة الخاصة" مع أمريكا لم تعد توفر الحماية الكافية في ظل إدارة "ترامب" التي تتبنى مبدأ "أمريكا أولاً" بشكل متطرف. هذا التموضع الجديد يعزز من فرص نشوء "تحالف أمني أوروبي" يقوده ثنائي (لندن-باريس) بمدد مالي ألماني، مما قد يخلق مركز ثقل جديد للغرب ينتقل تدريجياً من واشنطن إلى العواصم الأوروبية، وهو ما يمثل الرد العملي على تراجع الدور القيادي الأمريكي في ملفات الحرب الأوكرانية وصراعات الشرق الأوسط.
استنزاف الشرق الأوسط
يلعب الصراع المتفجر في الشرق الأوسط، وتحديداً حرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023، دوراً حاسماً في إضعاف الموقف الأوكراني عبر تشتيت الانتباه والموارد الأمريكية.
وتشير تقارير مراقبة الدعم العسكري إلى أن الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي التي كانت مخصصة لكييف تم تحويل جزء كبير منها لدعم الاحتلال الإسرائيلي في مجازره المستمرة، وهو ما سلط الضوء على "ازدواجية المعايير" الأمريكية التي تدافع عن سيادة أوكرانيا بينما تدعم احتلالاً غاشماً في فلسطين، مما أفقد الغرب شرعيته الأخلاقية أمام دول "الجنوب العالمي".
هذا الاستنزاف للموارد لم يقتصر على الجانب المادي، بل امتد ليعمق الهوة بين أمريكا وحلفائها الأوروبيين الذين يخشون من أن يؤدي الانغماس الأمريكي في حروب الشرق الأوسط إلى ترك القارة العجوز لقمة سائغة للأطماع الروسية.
إن الارتباط العضوي بين الجبهتين الأوكرانية والشرق أوسطية يؤكد أن النظام العالمي الذي تقوده واشنطن بات عاجزاً عن إدارة أزمتين كبريين في وقت واحد، مما يعزز فرضية أن "القيادة الجماعية الأوروبية" باتت ضرورة لضمان عدم انهيار الاستقرار في القارة الأوروبية نتيجة التهور الأمريكي في مناطق أخرى.










