يرى الكاتب والمحلل الإسرائيلي ميخائيل ميلشتاين أن القرارات التي صادق عليها «الكابينت» الإسرائيلي مؤخراً بشأن الضفة الغربية لا يمكن قراءتها كإجراءات إدارية عابرة، بل كخطوات متراكمة تُفضي عملياً إلى مسار ضمٍّ تدريجي، يجري تنفيذه بهدوء ومن دون إعلان رسمي.
ويؤكد، في مقاله المنشور بصحيفة «يديعوت أحرونوت»، أن الصياغات البيروقراطية المعقّدة التي رافقت القرارات لم تكن بريئة، بل صُمِّمت – على الأرجح – لتغليف التحول السياسي العميق، وتجنّب صدام مباشر مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تُعارض رسمياً أي خطوة ضم معلنة.
مكوّنات ضم الضفة
تتجسد الخطوات التي أُقرّت – وفق الكاتب – في ثلاثة محاور مركزية، يشكّل مجموعها بنية عملية لفرض السيادة الإسرائيلية تدريجياً على الضفة الغربية. المحور الأول يتمثل في تسهيل إجراءات شراء الأراضي من جانب اليهود، وهو ما يفتح الباب أمام توسيع الملكية الاستيطانية بغطاء قانوني.
المحور الثاني يتصل بتوسيع الرقابة وفرض القانون الإسرائيلي في المناطق المصنفة (أ) و(ب). هذه الخطوة، إذا ما طُبِّقت عملياً، ستقوّض مكانة السلطة الفلسطينية، التي ينظر إليها تيار واسع داخل الحكومة باعتبارها خصماً استراتيجياً لا يقل خطورة عن «حماس».
أما المحور الثالث فيرتبط بتوسيع السيطرة الإسرائيلية على مواقع أثرية ودينية، وعلى رأسها الحرم الإبراهيمي. ويُنظر إلى هذا التوجه كجزء من معركة رمزية وسيادية، تتجاوز الأمن إلى إعادة تعريف الهوية السياسية والجغرافية للمكان.
مساواة المستوطنات
يضع الكاتب هذه القرارات ضمن سياق أوسع، يتمثل في مشروع استراتيجي يهدف إلى مساواة مكانة المستوطنات بمكانة البلدات داخل الخط الأخضر. أي الانتقال من وضع «مناطق متنازع عليها» إلى فضاء مدني-إداري موحّد.
ويرتبط ذلك بتعميق سيطرة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على «الإدارة المدنية»، بما يمنحه نفوذاً مباشراً في إدارة شؤون الضفة. هذا التحول الإداري يُعد، في نظر ميلشتاين، أداة تنفيذية لترجمة الرؤية الأيديولوجية إلى سياسات يومية.
ولا تُخفي حركة «الصهيونية الدينية» – كما يشير – هدفها النهائي: تطبيق «رؤية الضم» التي طرحها سموتريتش عام 2017، والقائمة على دولة واحدة بين البحر والنهر، بلا فاصل سياسي أو جغرافي بين الشعبين.
العمل تحت الرادار
في تصريحات متكررة، أوضح قادة التيار أن حرب 7 أكتوبر أوجدت – وفق توصيفهم – «عصراً معجزياً» يتيح تحقيق الطموحات الأيديولوجية. لكنهم، في الوقت نفسه، شددوا على ضرورة التقدم بحذر ومن دون ضجيج.
الاستراتيجية المعلنة تقوم على «تغيير الـDNA» الخاص بالضفة تدريجياً، عبر خلق وقائع ميدانية تجعل فكرة الانفصال أو الدولة الفلسطينية غير قابلة للتطبيق مستقبلاً. أي الوصول إلى «نقطة اللاعودة» من دون إعلان رسمي.
وبذلك – بحسب الكاتب – تتحول رؤية فئوية إلى ما يشبه العقيدة الرسمية للدولة، تُفرض على الجمهور من دون استفتاء أو نقاش مجتمعي عميق، رغم ما تحمله من تداعيات وجودية بعيدة المدى.
تبريرات مصطنعة
يشير ميلشتاين إلى أن تمرير هذا المشروع يجري عبر حزمة مبررات استراتيجية يصفها بالمصطنعة. من بينها الادعاء أن الضم يمثل «درساً مستخلصاً» من هجوم 7 أكتوبر.
غير أن المفارقة – كما يقول – أن من يقودون تغيير الواقع في الضفة هم أنفسهم من كانوا في مواقع مسؤولية عند وقوع الإخفاق الأمني، من دون أن يجروا تحقيقاً عميقاً في أسبابه.
كما يجري الترويج لفرضيات مثل أن «العرب لا يفهمون إلا القوة» أو أن وجود المستوطنات يمنع «الإرهاب»، وهي استنتاجات يراها الكاتب ضعيفة واقعياً وتُستخدم لتسويق مشروع أيديولوجي بغطاء أمني.
تصاعد القومية العنيفة
في الخلفية، يرصد المقال تحولات ثقافية داخل الضفة، تتجلى – وفق طرحه – في تصاعد ما يسميه «الإرهاب القومي». ويربط هذه الظاهرة بنمو منظومات قيم مختلفة عن السائدة داخل إسرائيل.
وترافق هذا التصاعد، بحسبه، تبريرات دينية-توراتية تستند إلى سرديات تاريخية مثل عقيدة يشوع بن نون أو «إبادة العماليق»، بما يمنح الصراع بعداً لاهوتياً خطِراً.
ويحذر الكاتب من أن مصير نحو ثلاثة ملايين فلسطيني قد يجدون أنفسهم تحت سيطرة إسرائيل المباشرة لا يحظى بنقاش جدي، بل يُترك لإجابات غيبية أو شعاراتية.
مغامرات مسيحانية
على هامش هذا المسار، تتكاثر – وفق المقال – مبادرات استيطانية يصفها بـ«المسيحانية»، تمتد إلى محاولات إقامة مستوطنات في غزة أو حتى في ساحات إقليمية مثل سوريا ولبنان.
ويشير إلى أن بعض هذه المحاولات كاد ينتهي بكوارث ميدانية، مستشهداً بحوادث قُتل فيها جنود خلال تحركات ميدانية محفوفة بالمخاطر.
ويرى أن تغليف هذه التحركات بشعار «الريادة الأمنية» يخفي دوافع أيديولوجية، ويُحمّل المؤسسة العسكرية أعباءً ناتجة عن مشاريع سياسية.
انشغال تكتيكي
داخلياً، يلاحظ الكاتب أن النقاش الإسرائيلي ينشغل بقضايا تكتيكية، مثل تأثير خطوات الضفة على أجواء شهر رمضان وإمكانية تقديم تسهيلات لاحتواء التوتر.
لكن هذا التركيز – برأيه – يهمّش أسئلة استراتيجية أثقل: كيف سيتعامل العالم مع تغيير الوضع القانوني للضفة؟ وهل تقبل الإدارات الأمريكية الحالية أو المقبلة بذلك؟
كما يلفت إلى أن سياسات الضم تُضعف فرص التطبيع الإقليمي، مستشهداً بتصريحات لسموتريتش قلّل فيها من أهمية العلاقات مع السعودية.
أوهام الاستقرار
يتحدث المقال عن «رضا ذاتي» متنامٍ داخل إسرائيل، يقوم على فرضية أن التهديد في الضفة تم احتواؤه. ويستند هذا التصور إلى تفكيك مخيمات، وتشريع بؤر استيطانية، وغياب انتفاضة شاملة.
لكن هذا الهدوء – كما يحذر – قد يكون خادعاً، ويغذي أفكاراً مثل إقامة «إمارات» عشائرية بدلاً من السلطة الفلسطينية، ضمن ما يُعرض كحلول إبداعية.
ويرى أن المزج بين القوة السياسية والأوهام الاستراتيجية وغياب التحقيق في إخفاقات الماضي قد يعيد إنتاج أخطاء كبرى، كما حدث في ساحات أخرى.
هدوء مقلق
يخلص ميلشتاين إلى أن ما يجب أن يقلق إسرائيل ليس انفجاراً وشيكاً، بل العكس: الهدوء المتواصل الذي يرافق عملية اندماج زاحف بين إسرائيل والضفة.
هذا المسار قد يُنتج – على المدى البعيد – كياناً واحداً مثقلاً بالتوترات، يفتقر إلى الشرعية الدولية والإجماع الداخلي، ويضع إسرائيل أمام معضلات ديموغرافية وأمنية واقتصادية معقّدة.
وفي ظل عام انتخابي حاسم، يدعو الكاتب الجمهور إلى مطالبة المرشحين بطرح رؤى واضحة تستند إلى معطيات واقعية، لا شعارات، حول مستقبل العلاقة الإسرائيلية-الفلسطينية، قبل منحهم أصواتهم.










