قال د.صلاح عبدالعاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، إن قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي استئناف إجراءات تسجيل أراضي الضفة الغربية المحتلة تحت مسمى “أملاك دولة” يمثل تطورًا خطيرًا وغير مسبوق منذ عام 1967، ويكشف عن تصعيد جديد في مشروع السيطرة الشاملة على الأرض الفلسطينية.
وأكد عبدالعاطي، في تصريحات لـ" 180 تحقيقات"، أن هذه الخطوة تمثل إجراءً استعماريًا ممنهجًا يستهدف إعادة هندسة الواقعين القانوني والديمغرافي في الأراضي المحتلة، عبر تكريس الضم الفعلي تحت غطاء إداري زائف وغير مشروع، مؤكدًا أن ما يجري ليس إجراءً إداريًا عابرًا، بل جزء من مسار استراتيجي طويل المدى.
مخطط لتصفية الضفة
يرى عبدالعاطي أن استئناف تسجيل الأراضي يندرج ضمن مخطط تصفوي شامل يهدف إلى شرعنة الاستيطان الاستعماري، وقطع التواصل الجغرافي بين المدن والبلدات الفلسطينية، بما يؤدي عمليًا إلى تقويض أي إمكانية واقعية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
ويشير إلى أن هذه السياسة تعكس انتقال الاحتلال إلى مرحلة أكثر تقدمًا في فرض وقائع الضم الدائم، عبر أدوات قانونية وإدارية تُستخدم لإضفاء شرعية شكلية على الاستيلاء على الأرض.
آلية استعمار قانونية
أكد عبدالعاطي أن تحويل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية إلى ما يسمى “أملاك دولة” يمثل استخدامًا لآلية قانونية عنصرية لإعادة توزيع الأراضي المحتلة لصالح المشروع الاستيطاني.

وشدد على أن هذه السياسة تفرض سيادة الأمر الواقع في انتهاك صريح لمبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، وهو أحد المبادئ الراسخة في القانون الدولي، معتبرًا أن ما يجري هو إعادة صياغة للملكية والسيادة تحت سلطة الاحتلال.
تحدٍ للشرعية الدولية
أوضح أن هذه الإجراءات تمثل تحديًا مباشرًا لقرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2334، فضلًا عن تعارضها مع قرارات محكمة العدل الدولية التي أكدت عدم مشروعية الاحتلال وضرورة إنهائه.
واعتبر أن ما يحدث هو امتداد لسياسة الضم التدريجي التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر فرض حقائق ميدانية يصعب التراجع عنها مستقبلًا.
تصعيد متزامن بغزة
ربط رئيس "حشد" بين إجراءات الضم في الضفة الغربية والتصعيد العسكري المستمر في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن الغارات التي شنتها الطائرات الحربية الإسرائيلية على مناطق مختلفة من القطاع، أمس، أسفرت عن استشهاد 12 فلسطينيًا وإصابة 20 آخرين.
واعتبر أن هذه الهجمات تمثل خرقًا جديدًا لاتفاق وقف إطلاق النار، وتؤكد أن المسارين العسكري والاستيطاني يسيران بالتوازي ضمن رؤية استراتيجية واحدة.
أرقام الخروقات
وبيّن عبدالعاطي أن عدد خروقات وقف إطلاق النار تجاوز 170 خرقًا، وأسفر عن استشهاد 601 فلسطيني وإصابة 1670 آخرين، ما يرفع إجمالي عدد الشهداء منذ بدء الحرب إلى أكثر من 72 ألف شهيد، إضافة إلى آلاف الضحايا الذين ما زالوا تحت الأنقاض.
ولفت إلى أن هذه التطورات تجري في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية والخدماتية، واستمرار تدمير البنية التحتية الحيوية، خصوصًا في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الاحتلال.
سياسة الحصار والتجويع
حذّر عبدالعاطي من استمرار الاحتلال في تطبيق سياسة العقاب الجماعي، عبر عرقلة إدخال الوقود والمساعدات الإنسانية، وتقييد دخول الأدوية والمستلزمات الطبية.
وأكد أن هذه الإجراءات تشمل كذلك منع إدخال المساكن المؤقتة لإيواء مئات آلاف النازحين الذين يعيشون أوضاعًا إنسانية كارثية، في ظل غياب الحد الأدنى من مقومات الحياة.
قيود معبر رفح
أشار إلى قيام الاحتلال بتقليص عدد المسافرين عبر معبر رفح إلى أقل من 50 مسافرًا يوميًا في كلا الاتجاهين، معتبرًا أن هذه القيود تشكل انتهاكًا جسيمًا لالتزامات قوة الاحتلال بموجب القانون الدولي الإنساني.
وأوضح أن هذه السياسات تهدف إلى تكريس الحصار واستخدام التجويع كأداة ضغط وسيطرة على السكان المدنيين، وليس مجرد إجراءات أمنية كما يدّعي الاحتلال.
استراتيجية تصفية شاملة
شدد عبدالعاطي على أن الجمع بين سياسات الضم في الضفة الغربية والتصعيد العسكري والحصار في قطاع غزة يكشف عن استراتيجية متكاملة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بالقوة.
وبيّن أن هذه الاستراتيجية تقوم على الاستيلاء على الأرض في الضفة، مقابل تدمير مقومات الحياة في غزة، بما يهدد الوجود الفلسطيني سياسيًا وديموغرافيًا وجغرافيًا.
دعوة لتحرك دولي
دعا عبدالعاطي المجتمع الدولي والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف إلى تحمل مسؤولياتها القانونية، واتخاذ إجراءات فورية لوقف تسجيل الأراضي ووقف العمليات العسكرية في غزة.
كما طالب بضمان إدخال المساعدات الإنسانية والطبية والوقود دون قيود، وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، مؤكدًا أن الصمت الدولي لم يعد حيادًا بل بات عاملًا يهدد مصداقية النظام القانوني الدولي.
تأكيد الحقوق الفلسطينية
جدد رئيس “حشد” تأكيده أن حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه وموارده وتقرير مصيره غير قابلة للتصرف، وأن إجراءات تسجيل الأراضي لن تمنح الاحتلال أي شرعية قانونية.
ونوّه إلى ضرورة اعتماد استراتيجية وطنية وقانونية ودبلوماسية متكاملة لمواجهة هذه السياسات، إلى جانب تعزيز التحرك الدولي، وتفعيل آليات المقاطعة وفرض العقوبات، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات أمام القضاء الدولي، باعتبار ذلك مسارًا ضروريًا لإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على أرضها.









