انتهت جولة المفاوضات الأخيرة بين روسيا وأوكرانيا في جنيف، يوم 18 فبراير 2026 دون تحقيق أي اختراق، في مؤشر واضح على أن الحرب تجاوزت حدود التسوية التقليدية، وتحولت إلى صراع بنيوي يعكس إعادة تشكيل ميزان القوى الدولي. فقد كشفت المحادثات التي جرت بوساطة أمريكا حجم التباعد الاستراتيجي، مع تمسك موسكو بمطالبها الإقليمية والأمنية، مقابل رفض كييف تقديم تنازلات دون ضمانات أمنية غربية حاسمة.
هذا الفشل لم يكن مجرد تعثر تفاوضي، بل يعكس تحولا أعمق، حيث باتت المفاوضات أقرب إلى إدارة صراع طويل الأمد، وليس إنهاءه. فالحرب التي بدأت عام 2022 كصدام جغرافي تحولت إلى اختبار لقدرة النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة على البقاء.
ويكشف عجز الوساطة الأمريكية، في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، عن تراجع القدرة الأمريكية على فرض تسويات استراتيجية، وهو تحول يضرب جوهر النظام الأمني الغربي الذي قام لعقود على الهيمنة الأمريكية.
حرب استنزاف شاملة
ترافق الجمود السياسي مع تصعيد عسكري روسي مكثف استهدف البنية التحتية للطاقة الأوكرانية، عبر مئات الصواريخ والطائرات المسيرة التي دمرت أجزاء واسعة من شبكة الكهرباء والتدفئة. ويعكس هذا التحول انتقال الحرب من صراع على الأرض إلى حرب استنزاف تستهدف قدرة الدولة الأوكرانية على البقاء.
تعتمد موسكو على استراتيجية إنهاك شاملة، تقوم على تدمير مقومات الحياة، بما يفرض ضغوطًا اقتصادية واجتماعية على كييف وحلفائها. وبهذا المعنى، لم تعد الجبهة العسكرية وحدها ساحة القتال، بل أصبحت الطاقة والبنية التحتية جزءًا من معركة كسر الإرادة السياسية.
ويؤكد هذا التحول أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت أداة لإعادة تشكيل النظام الدولي، عبر فرض وقائع جديدة تعكس تراجع قدرة الغرب على حماية حلفائه.
البلقان تعيد التموضع
امتدت تداعيات الحرب إلى منطقة البلقان، حيث برزت تحالفات عسكرية جديدة تعكس تصدعا في بنية الأمن الأوروبي. فقد عززت دول مثل ألبانيا وكوسوفو وكرواتيا تعاونها الدفاعي في مواجهة تقارب صربيا مع موسكو، ما ينذر بإعادة رسم خطوط الانقسام في المنطقة.
تعكس هذه التحركات إدراك الدول الصغيرة أن الضمانات الغربية لم تعد كافية، وأن عليها بناء منظومات ردع مستقلة أو شبه مستقلة. وهو ما يعكس تراجع الثقة في مظلة حلف شمال الأطلسي كضامن حصري للأمن الأوروبي.
وفي المقابل، عززت صربيا تعاونها العسكري مع شركاء خارج المنظومة الغربية، في مؤشر على أن الحرب الأوكرانية أعادت فتح التنافس الدولي على مناطق النفوذ، بما يتجاوز حدود أوكرانيا نفسها.
الطاقة تتحول سلاحا
كشفت الحرب هشاشة النظام الطاقوي الأوروبي، بعدما تحولت الطاقة إلى أداة ضغط استراتيجية تستخدمها موسكو لإعادة صياغة علاقاتها مع أوروبا. فقد أدى استهداف البنية التحتية الأوكرانية إلى تفاقم أزمة الطاقة، وفرض تحديات غير مسبوقة على الدول الأوروبية.
هذا التحول يعكس انتقال الطاقة من كونها موردا اقتصاديا إلى أداة جيوسياسية تستخدم في الصراع الدولي. كما كشف اعتماد أوروبا على مصادر خارجية، سواء من روسيا أو من مصادر بديلة، حجم هشاشة استقلالها الاستراتيجي.
وقد ساهمت هذه الأزمة في تعميق الانقسامات داخل المعسكر الغربي، حيث باتت الأولويات الوطنية تتقدم على الالتزامات الجماعية، في مؤشر على بداية تفكك وحدة القرار الغربي.
كندا تتمرد دفاعيا
في تطور يعكس عمق التحولات الجارية، أعلنت كندا خطة دفاعية جديدة تهدف إلى تقليل اعتمادها على الصناعات العسكرية الأمريكية، في خطوة تعكس تراجع الثقة في استدامة التحالف العسكري التقليدي مع واشنطن.
تشمل الخطة استثمارات ضخمة في الصناعات الدفاعية المحلية، وتحولًا نحو تنويع مصادر التسليح، بما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد خيارًا استراتيجيًا مضمونًا.
ويعكس هذا التحول بداية تصدع داخل البنية الأمنية الغربية نفسها، حيث تسعى الدول الحليفة إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الدفاعية، تحسبًا لتحولات السياسة الأمريكية.
نظام عالمي يتفكك
تكشف هذه التطورات مجتمعة أن الحرب في أوكرانيا لم تعد مجرد صراع إقليمي، بل أصبحت نقطة تحول تاريخية في بنية النظام الدولي. فقد أدت إلى تسريع الانتقال من نظام أحادي القطبية تقوده أمريكا إلى نظام متعدد الأقطاب تتنافس فيه قوى متعددة على النفوذ.
ويعكس تراجع قدرة واشنطن على فرض إرادتها، وصعود قوى منافسة، بداية مرحلة جديدة تتسم بتعدد مراكز القوة. كما أن سعي الحلفاء إلى بناء قدرات مستقلة يشير إلى تآكل الثقة في النظام الأمني الغربي.
في هذا السياق، لم تعد الحرب مجرد معركة بين روسيا وأوكرانيا، بل أصبحت معركة على شكل النظام الدولي نفسه، حيث يتشكل عالم جديد يقوم على توازنات أكثر تعقيدا، وأقل خضوعًا لهيمنة قوة واحدة، في تحول قد يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية لعقود قادمة.










