4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

بين محور صاعد وتحالف غربي متصدع: سباق الاحتواء الشامل يعيد تشكيل النظام العالمي

يدخل العالم مرحلة جديدة من الصراع الدولي، لم تعد تقوم على المواجهة العسكرية المباشرة فقط، بل على استراتيجية احتواء شاملة تستخدم أدوات الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات والهجرة.

بقلم: أخبار ومتابعات
١٨ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
12 مشاهدة
تحول الاحتواء إلى الأداة الرئيسية في الصراع العالمي - الصورة من "العربي الجديد"

تحول الاحتواء إلى الأداة الرئيسية في الصراع العالمي - الصورة من "العربي الجديد"

يدخل العالم مرحلة جديدة من الصراع الدولي، لم تعد تقوم على المواجهة العسكرية المباشرة فقط، بل على استراتيجية احتواء شاملة تستخدم أدوات الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات والهجرة. وفي قلب هذا التحول يتشكل محور يضم روسيا والصين وإيران، يعتمد على التكامل العسكري والطاقوي لكسر الهيمنة الغربية، في مقابل شبكة تحالفات غربية مرنة لكنها تعاني من تصدعات داخلية متزايدة.

وتشير المعطيات إلى أن هذا الصراع لم يعد تنافساً تقليدياً بين دولتين عظميين، بل تحول إلى "حرب نظام عالمي"، تسعى فيها أمريكا وحلفاؤها إلى تطويق القوى الصاعدة ومنعها من إعادة صياغة موازين القوة الدولية. غير أن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات عميقة، خاصة في ظل توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يركز على المصالح الأمريكية المباشرة، ما يضعف تماسك التحالف الغربي التقليدي.

تسليح تايوان

يمثل تسليح تايوان أحد أبرز مظاهر استراتيجية الاحتواء العسكري للصين، حيث تعمل الجزيرة على تحويل نفسها إلى قاعدة ردع متقدمة في مواجهة أي تحرك عسكري صيني محتمل. وتخطط الحكومة التايوانية لتنفيذ برنامج تسليح ضخم بقيمة 40 مليار دولار، يتضمن شراء أنظمة صاروخية متقدمة وطائرات مسيرة وأسلحة دقيقة بعيدة المدى، معظمها من الولايات المتحدة.

ويرتكز هذا البرنامج على ما يسمى "استراتيجية القنفذ"، التي تهدف إلى جعل أي محاولة صينية للسيطرة على الجزيرة مكلفة للغاية، عبر بناء شبكة دفاعية تعتمد على الضربات الدقيقة والقدرات غير المتكافئة. ويعكس هذا التوجه تحول تايوان إلى نقطة ارتكاز رئيسية في استراتيجية الاحتواء الأمريكية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

لكن هذا التسليح يحمل في الوقت نفسه مخاطر تصعيد كبيرة، إذ تعتبره بكين تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وتكثف بدورها أنشطتها العسكرية حول الجزيرة. وبذلك تتحول تايوان إلى ساحة اختبار رئيسية لموازين القوة بين الصين وأمريكا، وإلى خط تماس مباشر في الصراع على قيادة النظام العالمي.

سياسة ترامب

تعكس سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الصين نموذجاً جديداً من الاحتواء القائم على البراغماتية وليس المواجهة المباشرة. فمن جهة، تواصل واشنطن فرض قيود تكنولوجية واقتصادية على الصين، ومن جهة أخرى، يسعى ترامب إلى الحفاظ على قنوات التفاهم، وتجنب صراع شامل قد يضر بالمصالح الأمريكية.

ويركز ترامب على إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية، عبر تقليل الانخراط العسكري المباشر في آسيا، والتركيز على تعزيز الاقتصاد الأمريكي وتقليص الاعتماد على الخارج. ويعكس هذا التوجه تحولاً في الاستراتيجية الأمريكية من قيادة تحالفات عالمية واسعة إلى إدارة شبكة علاقات مرنة قائمة على المصالح المباشرة.

غير أن هذا التحول يثير قلق الحلفاء، الذين يخشون من تراجع الالتزام الأمريكي بأمنهم، ويدفعهم إلى البحث عن خيارات بديلة لتعزيز استقلالهم الاستراتيجي. وبذلك، تتحول سياسة ترامب إلى عامل مزدوج، يساهم في احتواء الصين، لكنه في الوقت نفسه يضعف تماسك التحالف الغربي.

أزمات بريطانيا

تواجه بريطانيا أزمة داخلية مركبة تهدد قدرتها على لعب دور فعال في التحالف الغربي، حيث تعاني من تباطؤ اقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الثقة السياسية. وقد أدى هذا الوضع إلى إضعاف الحكومة وتقليص قدرتها على الانخراط في التزامات عسكرية واستراتيجية خارجية.

وتكشف هذه الأزمة عن أحد أهم مظاهر التحول العالمي، حيث لم تعد الدول الغربية قادرة على الجمع بين إدارة أزماتها الداخلية والحفاظ على دورها القيادي الدولي. ويؤدي هذا التراجع إلى خلق فراغات استراتيجية تستفيد منها القوى المنافسة لتعزيز نفوذها.

كما تعكس الأزمة البريطانية اتجاهاً أوسع داخل الغرب، حيث تتزايد النزعات القومية والانكفاء الداخلي، ما يضعف قدرة التحالفات التقليدية على العمل كوحدة متماسكة في مواجهة التحديات العالمية.

حرب الهجرة

تحولت سياسات الهجرة والطلاب إلى أداة جديدة في الصراع الدولي، حيث تسعى الدول الغربية إلى التحكم في تدفقات البشر باعتبارها مورداً استراتيجياً، وليس مجرد قضية اجتماعية. فقد فرضت بريطانيا قيوداً جديدة على تأشيرات الطلاب، وقلصت مدة الإقامة بعد التخرج، وفرضت شروطاً مالية أكثر صرامة.

ويهدف هذا التوجه إلى تحقيق توازن بين جذب الكفاءات ومنع الاختراقات الأمنية، خاصة في ظل المخاوف من انتقال التكنولوجيا والمعرفة إلى الدول المنافسة. لكن هذه السياسات تحمل آثاراً سلبية، إذ قد تؤدي إلى تقليص قدرة الدول الغربية على جذب المواهب العالمية.

كما تعكس هذه الإجراءات تحول الهجرة إلى ساحة مواجهة جديدة في الصراع الدولي، حيث تستخدم كأداة لتعزيز القوة الاقتصادية والتكنولوجية، أو لمنع الخصوم من الاستفادة من الموارد البشرية العالمية.

محور مقابل شبكة

تكشف هذه التطورات عن تشكل نظام عالمي جديد يقوم على مواجهة بين محور صاعد يضم روسيا والصين وإيران، وشبكة تحالفات غربية تحاول احتواء هذا الصعود. ويتميز هذا النظام الجديد بغياب الانقسام الصارم الذي ميز الحرب الباردة، واستبداله بشبكة معقدة من العلاقات المتداخلة والمتغيرة.

ويعتمد المحور الصاعد على التكامل في مجالات الطاقة والتسليح والتكنولوجيا، لتعويض تأثير العقوبات الغربية، وتعزيز استقلاله الاستراتيجي. وفي المقابل، يعتمد الغرب على بناء تحالفات مرنة، واستخدام أدوات اقتصادية وتكنولوجية لاحتواء خصومه.

غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه الغرب لا يتمثل فقط في قوة خصومه، بل في ضعف تماسكه الداخلي، وتباين أولويات أعضائه. ويؤدي هذا الوضع إلى تقليص فعالية استراتيجية الاحتواء، ويمنح المحور الصاعد فرصة لتعزيز موقعه.

نظام عالمي جديد

تشير المؤشرات إلى أن العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، حيث لم تعد أمريكا قادرة على فرض إرادتها بشكل منفرد، ولم تعد التحالفات الغربية تتمتع بالتماسك الذي ميزها في العقود السابقة. وفي المقابل، تزداد قدرة القوى الصاعدة على تحدي النظام القائم، وبناء شبكات نفوذ بديلة.

ويمثل سباق التسلح في تايوان، والتحولات في السياسة الأمريكية، والأزمات الداخلية في أوروبا، والتشدد في سياسات الهجرة، مظاهر مختلفة لمرحلة انتقالية تاريخية. وهي مرحلة تتشكل فيها قواعد نظام عالمي جديد، يقوم على التنافس بين عدة مراكز قوة، وليس على هيمنة قطب واحد.

وفي هذا السياق، لم تعد المواجهة تدور فقط حول الأراضي أو الحدود، بل حول من يملك القدرة على تشكيل المستقبل: عبر التكنولوجيا، والتحالفات، والاقتصاد، والسيطرة على الموارد البشرية. وبذلك، يتحول الاحتواء إلى الأداة الرئيسية في الصراع العالمي، ويتحول العالم إلى ساحة تنافس مفتوح على إعادة رسم موازين القوة الدولية.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال