لا يمكن اليوم قراءة المشهد السياسي في تل أبيب بمعزل عن التوترات التي تعصف بالنسيج الاجتماعي الإسرائيلي، خاصة مع انفجار ملف تجنيد المتدينين (الحريديم) الذي تحول من مجرد خلاف فقهي قانوني إلى فتيل قد يشعل ثورة داخلية تطيح بالائتلاف الحاكم.
في المقابل، يبرز التهديد الإيراني والرد المحتمل كعامل ضغط خارجي يعيد ترتيب الأولويات، وسط تساؤلات عميقة حول مدى استخدام الحكومة الإسرائيلية لورقة "التصعيد الأمني" كأداة لضبط الإيقاع الداخلي المترنح، ومحاولة لتوحيد الصفوف الممزقة تحت راية "الخطر الداهم"، وهو ما يجعل العلاقة بين الأزمة الداخلية والتصعيد الخارجي علاقة طردية ومعقدة للغاية.
أزمة تجنيد الحريديم وشرخ الهوية
تتصدر الاحتجاجات الدينية العنيفة المشهد السياسي الإسرائيلي، حيث خرج الآلاف من أتباع التيار "الحريديم" إلى الشوارع لرفض قرارات المحكمة العليا والمطالبات السياسية بفرض التجنيد الإلزامي عليهم.
يرى هذا التيار أن التفرغ لدراسة التوراة هو الحصن الروحاني الذي يحمي الدولة، بينما ترى القوى العلمانية والوسطية أن استمرار إعفاء عشرات الآلاف من الخدمة العسكرية في وقت تخوض فيه البلاد حروباً متعددة الجبهات يمثل ضربة قاضية لمبدأ "المساواة في العبء".
هذا الشرخ لم يعد مجرد نقاش برلماني، بل تحول إلى صدامات دموية مع الشرطة، حيث يهدد زعماء الأحزاب الدينية بالانسحاب من الحكومة في حال إقرار قانون لا يضمن خصوصيتهم، وهو ما يعني سقوط الائتلاف الحاكم والذهاب نحو انتخابات مبكرة في توقيت هو الأكثر حرجاً منذ عقود.
التحذيرات من انهيار الائتلاف الحاكم
تتزايد التحذيرات من داخل الدوائر السياسية الإسرائيلية ومن قبل المحللين الاستراتيجيين بأن الحكومة الحالية تعيش أيامها الأخيرة إذا لم تجد صيغة سحرية للتوفيق بين مطالب اليمين المتطرف والأحزاب الدينية وبين ضغوط الشارع والمؤسسة العسكرية.
زعزعة استقرار الحكومة في هذا التوقيت لا تعني فقط فراغاً سياسياً، بل تعني شللاً في اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالحروب الدائرة والاتفاقيات الإقليمية.
الخبراء يشيرون إلى أن رئيس الحكومة يحاول الرقص على الحبال المشدودة، محاولاً إرضاء شركائه من المتدينين لضمان بقائه في السلطة، وفي الوقت نفسه يحاول إظهار الحزم أمام المؤسسة الأمنية التي تطالب بزيادة القوى البشرية في الجيش لمواجهة التحديات المتزايدة على جبهات الشمال والجنوب والشرق.
الاستعداد للرد الإيراني والحالة الأمنية
على الجانب الآخر من المشهد، تعيش المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حالة من الاستنفار القصوى تحسباً لرد إيراني محتمل، وهو الرد الذي قد يغير قواعد الاشتباك في المنطقة برمتها.
التقارير الاستخباراتية تشير إلى أن طهران وحلفاءها يراقبون بدقة حالة التفسخ الداخلي في إسرائيل، وقد يجدون في هذا التوقيت فرصة سانحة لتوجيه ضربة استراتيجية.
هذا التهديد الخارجي يفرض على الداخل الإسرائيلي نوعاً من "الهدوء القسري"، حيث يترقب الجميع سيناريوهات التصعيد، وما إذا كانت إسرائيل ستلجأ إلى ضربة استباقية أم ستكتفي بالدفاع. إن حالة "الانتظار الثقيل" للرد الإيراني تزيد من الضغط النفسي على المجتمع الإسرائيلي الذي يعاني أصلاً من تداعيات اقتصادية واجتماعية بسبب الحروب المستمرة منذ عام 2023.
توظيف التصعيد الخارجي لضبط الداخل
تطرح التطورات الأخيرة سؤالاً جوهرياً: هل تتعمد الحكومة الإسرائيلية تضخيم أو افتعال تصعيد أمني لهروب من أزماتها الداخلية؟ تشير القراءات السياسية المعارضة إلى أن نتنياهو وائتلافه يجدون في "صوت المدافع" الوسيلة الوحيدة لإسكات "صوت الاحتجاجات".
فعندما تقرع طبول الحرب مع إيران، يتراجع الحديث عن تجنيد الحريديم وعن الفساد السياسي وعن غلاء المعيشة، ليحل محله الحديث عن "الوحدة الوطنية" و"الصمود".
هذه الاستراتيجية، رغم نجاعتها المؤقتة في تجميد الصراعات الداخلية، إلا أنها تضع الدولة على حافة هاوية قد لا يمكن الرجوع منها، حيث أن اللعب بنار التصعيد الخارجي قد يؤدي إلى حرب إقليمية شاملة لا تضمن إسرائيل نتائجها، مما يجعل "الهروب للأمام" مخاطرة كبرى قد تنتهي بتفكك الدولة من الداخل والخارج معاً.
سيناريوهات المستقبل والرهان الصعب
يبقى المستقبل السياسي الإسرائيلي معلقاً بين مطرقة الشارع الثائر وسندان التهديدات الإقليمية، حيث تضيق الخيارات أمام صناع القرار.
السيناريو الأول يتمثل في قدرة الحكومة على تمرير قانون تجنيد "مخفف" يرضي كافة الأطراف، وهو أمر مستبعد في ظل التصعيد الحالي.
أما السيناريو الثاني فهو انفجار الحكومة والذهاب لانتخابات وسط تصعيد عسكري، مما قد يؤدي إلى تشكيل حكومة طوارئ وطنية واسعة.
والسيناريو الثالث والأخطر هو وقوع الرد الإيراني قبل حل الأزمات الداخلية، مما قد يدفع إسرائيل نحو حالة من الفوضى السياسية تحت وطأة القصف العسكري.
وفي كل الحالات، يبدو أن إسرائيل عام 2026 أمام إعادة تعريف لمفهوم "الدولة والجيش"، وسط صراع مرير بين الهوية الدينية للدولة ومتطلبات بقائها العسكرية والأمنية.










