تدور المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة في حلقة مفرغة منذ شهور، من دون تسجيل اختراق واضح يمكن البناء عليه سياسياً أو تقنياً. فبحسب تقارير صادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما زالت القضايا الجوهرية المتعلقة بمستويات تخصيب اليورانيوم وآليات التفتيش العميق وضمانات عدم الانحراف العسكري عالقة، في وقت تتسارع فيه وتيرة التصعيد الإعلامي بين طهران وواشنطن. هذا الجمود لا يعكس فقط تعقيد الملف النووي، بل يكشف عن صراع إرادات يتجاوز التقنية إلى إعادة رسم موازين القوى في الإقليم.
في المقابل، تشير تسريبات نقلتها صحف أمريكية، بينها نيويورك تايمز، إلى أن الإدارة الأمريكية ترى أن أي اتفاق مؤقت يجب أن يجمّد مستويات التخصيب المرتفعة ويعيد آلية الرقابة الصارمة، ولو مرحلياً. غير أن هذا الطرح يصطدم بحسابات إيرانية تعتبر أن العودة إلى ما قبل الانسحاب الأمريكي من الاتفاق السابق تعني عملياً تقديم تنازل استراتيجي مجاني، في ظل بيئة إقليمية مضطربة وحرب مفتوحة في غزة منذ أكتوبر 2023 بدعم أمريكي مباشر لإسرائيل.
تشدد ومرونة محسوبة
الموقف الأمريكي يتسم بتشدد تفاوضي معلن، إذ تربط واشنطن أي تخفيف للعقوبات بخطوات إيرانية ملموسة يمكن التحقق منها فوراً، مع الإبقاء على منظومة العقوبات كأداة ضغط أساسية. تصريحات صادرة عن مسؤولين في البيت الأبيض شددت على أن الخيار العسكري “يبقى مطروحاً” إذا اقتربت إيران من عتبة السلاح النووي، في رسالة ردع مزدوجة موجهة لطهران ولحلفاء أمريكا في المنطقة.
في المقابل، تعتمد إيران خطاباً يوحي بالمرونة التكتيكية دون تقديم تنازلات جوهرية. فهي تعلن استعدادها للعودة إلى التزامات محددة، لكنها تربط ذلك بضمانات بعدم انسحاب أي إدارة أمريكية مستقبلية من الاتفاق، في إشارة واضحة إلى تجربة الانسحاب السابق. هذا الطرح يعكس محاولة إيرانية لتحويل التفاوض من مجرد قيود فنية على البرنامج النووي إلى اعتراف دولي بدورها الإقليمي وقدراتها الردعية.
مفاوضات إيران ورسائل متبادلة
التوازي بين المسار التفاوضي والتصعيد العسكري لم يعد خافياً. إيران كثفت مناوراتها الصاروخية وأعادت التلويح بقدرتها على استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، بينما نقلت وسائل إعلام أمريكية أن واشنطن درست سيناريوهات تتضمن تحديثاً لترسانتها النووية التكتيكية وإجراء تجارب متقدمة، في سياق اتهامات متصاعدة للصين بتوسيع قدراتها النووية.
هذا التداخل بين النووي والعسكري يعكس أن الأطراف لا تتفاوض فقط حول نسب التخصيب، بل حول قواعد الاشتباك المستقبلية. فكل رسالة عسكرية تُستخدم كأداة ضغط تفاوضي، وكل جولة مفاوضات تُقرأ باعتبارها اختباراً للخطوط الحمراء. هنا تتضح الطبيعة الحقيقية للمشهد: نحن أمام مفاوضات ردع، لا مفاوضات اتفاق نهائي.
حسابات إسرائيل
تبقى إسرائيل اللاعب الأكثر قلقاً من مآلات هذا المسار. تقارير صادرة عن هيئة البث الإسرائيلية تشير إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تواصل تحديث خططها لضربة محتملة ضد المنشآت النووية الإيرانية، تحسباً لفشل المسار الدبلوماسي. في ظل الحرب المستمرة على غزة منذ أكتوبر 2023، والتي كشفت حجم الدعم العسكري والسياسي الأمريكي لتل أبيب، تدرك إسرائيل أن أي اقتراب إيراني من العتبة النووية سيُقرأ كتهديد وجودي مباشر.
إسرائيل، التي تملك ترسانة نووية غير خاضعة لرقابة دولية وترفض الانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار، تحاول فرض معادلة تمنع خصومها من امتلاك أدوات ردع مماثلة. هذه الازدواجية تُضعف الخطاب الغربي حول “منع الانتشار”، وتمنح طهران ورقة سياسية إضافية في معركة السرديات.
السيناريو الأول: اتفاق هش
في هذا السيناريو، يتم التوصل إلى تفاهم مرحلي يجمّد مستويات التخصيب العالية، مقابل تخفيف محدود ومدروس للعقوبات. لن يكون اتفاقاً شاملاً يعيد إحياء الصيغة السابقة، بل إطاراً انتقالياً يمنع الانفجار ويؤجل الحسم. واشنطن ستحقق هدف “تأجيل القنبلة”، فيما تحصل طهران على متنفس اقتصادي وسياسي يعزز موقعها الداخلي.
غير أن هذا الاتفاق سيبقى هشاً، لأنه لا يعالج جذور الأزمة: انعدام الثقة، والصراع الإقليمي المفتوح، والدور الإسرائيلي الضاغط. أي تغير في الإدارة الأمريكية أو تصعيد ميداني في المنطقة قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر خلال أشهر.
السيناريو الثاني: ضربة استباقية
يفترض هذا المسار فشل المفاوضات واقتراب إيران من عتبة تصنيع السلاح، ما يدفع إسرائيل – بدعم أو تنسيق أمريكي – إلى تنفيذ ضربة عسكرية مركزة ضد المنشآت النووية. الهدف سيكون تعطيل البرنامج لسنوات، لا إنهاءه بالكامل، مع الرهان على تفادي حرب شاملة.
لكن المخاطر هنا عالية للغاية. الرد الإيراني قد يشمل استهداف قواعد أمريكية أو حلفاء واشنطن في المنطقة، وربما توسيع نطاق الاشتباك ليشمل جبهات متعددة. في ظل توتر إقليمي متراكم منذ حرب غزة، قد تتحول الضربة المحدودة إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.
السيناريو الثالث: ردع طويل
السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار الوضع الرمادي: لا اتفاق شامل، ولا ضربة عسكرية، بل إدارة توتر مزمن قائم على الردع المتبادل. إيران تواصل تطوير قدراتها ضمن هامش محسوب، وواشنطن تواصل سياسة الضغط والعقوبات، فيما تستعد إسرائيل لأسوأ الاحتمالات دون الإقدام على مغامرة كبرى.
هذا النموذج يشبه “توازن الحافة”، حيث يبقى الجميع قريبين من الهاوية دون السقوط فيها. لكنه توازن مكلف اقتصادياً وأمنياً، ويجعل المنطقة بأكملها رهينة لأي خطأ في الحسابات أو تصعيد غير محسوب.










