منذ ما قبل إنشاء م.ت.ف وانطلاق الثورة الفلسطينية عام 1965 خاض الشعب الفلسطيني مقاومة شرسة مع الانتداب البريطاني تمثلت بعدة أشكال وعناوين منها الشعبي ومنها المسلح كما حصل في ثورة البراق 1929 حيث اعتبرت هذه الثورة أول انتفاضة شعبية فلسطينية واسعة ضد الانتداب البريطاني رفضا لمحاولات تهويد القدس وكان ذلك في 15 آب 1929 بعد عدة استفزازات صهيونية عند حائط البراق وبدعم سلطات الإنتداب وقد بلغت ذروتها في 23 آب بمواجهات مسلحة شاملة مع الأخذ بالإعتبار الفارق الشاسع بالامكانيات التسليحية والدعم اللوجستي لليهود وبالقابل الفلسطيني محروم من التسليح ، والحاضنة العربية مشلولة.
في ظل هذه المعادلة غير المتكافئة أسفرت المعارك عن مقتل وجرح المئات من العرب وسقوط قتلى وجرحى من اليهود الذين كانوا يحظون برعاية طبية وتلقي كافة انواع العلاج بالمقابل الفلسطيني الجريح اما يُقتل او يُترك بجراحِه النازفة حتى الموت ضمن سياسة تعذيب للفلسطيني ليكون عبرة لمن تسول له نفسه التمرد على واقع الحال وصولا للإضرابات المتكررة والتي كان اشهرها الإضراب العام الإضراب في سنة 1936 أو ما عُرف آنذاك الإضراب الكبير و هو الأطول في تاريخ فلسطين حيث اخذ صفة العصيان المدني في فترة الانتداب ودام 6 أشهر حيث بدأ في 20 نيسان 1936 وكان لهذا الإضراب الاثر الكبير حيث شُلّت المدن والقرى الفلسطينية احتجاجاً على الهجرة اليهودية المكثفة و مصادرة الأراضي والانحياز البريطاني وتسهيل هجرة اليهود تنفيذا لمشروع دولي خبيث انسجاما مع تطلعات الحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ليكون رأس حربة المشروع الغربي هدفه السيطرة على الشرق الاوسط لما تمثّلة فلسطين من موقع جغرافي مهم وصلة وصل بين اسيا وافريقيا.
وقد نشأت منظمة التحرير الفلسطينية في ظروف شديدة التعقيد لمحاكاة الواقع الفلسطيني وضبط الايقاع ضمن حاجة دولية واقليمية لقطع الطريق على التوجهات التي سبقت وكانت محل خلاف عربي وعدم رضى دولي حيث أعلن المجلس الوطني الفلسطيني آنذاك برئاسة الحاج أمين الحسيني مفتي القدس في 1 تشرين الأول 1948 بمدينة غزة استقلال حكومة عموم فلسطين أو ما عرف ( بجمهورية فلسطين العربية) وعاصمتها القدس في محاولة لملء الفراغ السياسي بعد انسحاب الانتداب البريطاني وقطع الطريق عن الاعتراف بدولة الكيان الصهيوني وكرس مفتي القدس حياته مدافعاً عن فلسطين والقضايا العربية وكان حريصا في مناشداته ومطالبه التي تمحورت بشكل رئيسي حول استقلال الدول العربية و فلسطين عن الاستعمار البريطاني والفرنسي، ووقف الهجرة اليهودية وإلغاء فكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين وشُكِلت الحكومة برئاسة أحمد حلمي عبد الباقي بدعم من الجامعة العربية، لكن هذه الحكومة واجهت معارضة وتهميشاً لاحقاً بسبب الخلافات العربية والارتهان للخارج و بالرغم من استمرار أحمد حلمي في تمثيل فلسطين لدى الجامعة العربية حتى وفاته 1963 إلا أن حكومته فقدت أي سلطة فعلية وأصبحت إدارته موجهة ومقيدة من قبل الإدارة العسكرية المصرية لقطاع غزة و وضِعت حكومته في منفى سياسي في القاهرة .
و استمر النضال الفلسطيني بعدة اشكال رغم الضغوط حتى تم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية سنة 1974 في قمة الرباط كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني حينها دخلت المنظمة والثورة الفلسطينية في منعطفات كثيرة منها طرح البرنامج المرحلي الذي اقره المجلس الوطني الفلسطيني والذي عرف ببرنامج النقاط العشر حيث خرجت بعض الفصائل الفلسطينية الاساسية آنذاك وشكّلت جبهة الرفض التي تصرفت بشكل منفصل عن منظمة التحرير وصولا لقضية الساعة وهو اتفاق اوسلو الذي قسم الشعب الفلسطيني واطاح بالتفاهم الفلسطيني حول مشروع التحرير وانتهاج الكفاح المسلح كوسيلة اساسية للتحرر ومن ضمن إفرازات اتفاق اوسلو 1993 أُنشئت السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقية غزة أريحا التي وُقّعت في 4 أيار 1994 وتضمنت انسحاباً إسرائيلياً من منطقة أريحا وجزءاً من قطاع غزة وتأسيس السلطة والشرطة المدنية الفلسطينية.
وبناء على الاتفاق بدأت عودة القيادات الفلسطينية إلى أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة و دخل المشروع الوطني الفلسطيني مرحلة جديدة عنوانها التسوية السياسية والحفاظ على تنفيذ الاتفاق بما فيه الشق الامني واستبعاد العمل المقاوم بما فيها منع المقاومة الشعبية تحت حجة سحب الذرائع واعطاء الاتفاق فرصة وتغاضي قيادات السلطة عن تضحيات الشعب الفلسطيني واعتبار العودة نتيجة جهد سياسي افضى للاتفاق و لم يكن نتاج انتصار ميداني حققته الانتفاضة وصلابة المقاومة وجهد الشعب الفلسطيني و تضحياته الجسام خلال الانتفاضة الأولى 1987 ، كما تعتقد شريحة واسعة من الفلسطينيين ان تأسيس السلطة جاء في سياق اتفاقيات سياسية وُصفت بأنها تنازلات قاسية مست جوهر المشروع الوطني ووحدته.
وقد شكّل اتفاق أوسلو محطة مفصلية في التاريخ الفلسطيني المعاصر إذ أعاد قيادة منظمة التحرير إلى الداخل الفلسطيني لكنه في المقابل أرسى معادلة أمنية وسياسية معقدة ربطت وجود السلطة بالتزامات أمنية واقتصادية تجاه الاحتلال ادت لانقسام الفلسطينيون منذ ذلك الحين حول طبيعة المرحلة هل هي خطوة مرحلية نحو دولة على حدود عام 1967 أم انحراف عن مشروع التحرير الكامل من البحر إلى النهر؟ مع مرور السنوات لم يلتزم الاحتلال بتعهداته بل واصل سياسة الاستيطان والإقتحامات وتقويض أي مظهر من مظاهر السيادة الفلسطينية كما لم تحترم سلطات الاحتلال حتى التصنيفات الجغرافية التي أقرّها الاتفاق فاقتحمت مناطق خاضعة إدارياً للسلطة وحاصرت مقر الرئاسة في رام الله خلال انتفاضة الأقصى في مشهد أظهر هشاشة المعادلة القائمة في المقابل تعمّقت وظيفة الأجهزة الأمنية الفلسطينية ضمن إطار ما سُمّي بـالتنسيق الأمني وقد ارتبط بناء هذه الأجهزة بدعم وإشراف أمريكي مباشر برز فيه دور الجنرال كيث دايتون ما عزز الانطباع لدى قطاعات واسعة بأن العقيدة الأمنية الجديدة باتت تقوم على أولوية حفظ الأمن وفق المفهوم الإسرائيلي لا حماية المواطن الفلسطيني ومقاومته للاحتلال.
النتيجة كانت معادلة صادمة في نظر منتقدي السلطة و غياب المواجهة الفعلية مع الاحتلال تحت ذرائع تجنب التصعيد، مقابل تشدد أمني داخلي طال نشطاء ومقاومين ومخيمات ومدناً فلسطينية وتكررت حوادث الاعتقال والملاحقة بل وسقوط ضحايا في مواجهات داخلية كما حصل منذ ايام بسيطة في بلدة طمون شمال الضفة واستشهاد طفلين تحت ذريعة ملاحقة المطلوب سامر سمارة المطلوب على خلفية مقاومة وليست قضية جنائية ما ولّد احتقاناً شعبياً متصاعداً خاصة عندما تُتهم الأجهزة باستخدام القوة المفرطة أو اقتحام المنازل بأساليب قاسية تمس كرامة الناس.
إن المفارقة التي يراها كثيرون اليوم تتمثل في مشهد سلطة تتراجع أمام اقتحامات الجيش الإسرائيلي بينما تتقدم بقوة في فرض سيطرتها على الشارع الفلسطيني هذا الواقع أسهم في تعميق فجوة الثقة بين قطاعات من الشعب والقيادة السياسية وأعاد طرح السؤال الجوهري هل يمكن لمشروع وطني أن يستند إلى معادلة أمنية مرتبطة بإرادة المحتل؟
التاريخ الفلسطيني كما تجارب الشعوب الأخرى يؤكد أن الرهان على قوة الاحتلال لم يكن يوماً طريقاً إلى الحرية وأن الشرعية الحقيقية لأي قيادة تنبع من التفاف شعبها حولها لا من رضا القوى الخارجية عنها إن صون الكرامة الوطنية والحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي واستعادة البوصلة باتجاه مواجهة الاحتلال لا الداخل تمثل تحديات مركزية أمام أي مراجعة حقيقية للمسار السياسي القائم.
في المحصلة تبقى المعادلة واضحة من راهن على شعبه فاز بثقته ومن راهن على المحتل خسر شرعيته.










