في ظلّ التحوّلات المتسارعة في الشرق الأوسط، وتحوّل الصراعات الإقليمية إلى نزاعات ذات طابع مذهبي وطائفي، يبرز سؤال مصيري يتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع معًا، هل يستطيع لبنان أن يحمي نفسه من الانزلاق الدائم إلى هذه الحروب، وأن يبني مناعة داخلية حقيقية تحفظ استقراره ووحدته؟ لم يعد هذا السؤال نظريًا أو فكريًا، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بمصير الكيان، وبقدرة اللبنانيين على الصمود في وجه العواصف المتلاحقة.
يقع لبنان في قلب منطقة مضطربة، ويتأثر مباشرة بكل توتر إقليمي، غير أنّ المشكلة الأساسية لا تكمن في الجغرافيا وحدها، بل في هشاشة النظام السياسي، والانقسام الطائفي البنيوي، وضعف القرار الوطني المستقل، وارتهان جزء من الساحة الداخلية للخارج. هذه العوامل مجتمعة جعلت البلاد ساحة مفتوحة للتجاذبات، بدل أن تكون دولة قادرة على حماية نفسها وصون سيادتها.
وقد أثبتت التجربة اللبنانية أن الطائفية لم تعد إطارًا ثقافيًا أو دينيًا، بل تحوّلت إلى وسيلة تعبئة سياسية، وأداة لحماية الفساد، وغطاء للفشل، وسلاح لتخويف الناس. وبدل أن تكون الطوائف عنصر غنى وتنوّع، أصبحت في كثير من الأحيان وسيلة تفتيت داخلي تُستخدم عند كل استحقاق، وتُستحضر عند كل أزمة، لإجهاض أي محاولة إصلاح حقيقية.
ولا يمكن بناء مناعة وطنية في ظل دولة عاجزة. فضعف الدولة يظهر في غياب العدالة، وتفكك المؤسسات، وازدواجية القرار الأمني، وتراجع الخدمات، وفقدان الثقة العامة. وعندما تغيب الدولة، تحضر الطائفة والزعيم والوسيط الخارجي، ويتحوّل المواطن من صاحب حق إلى تابع، ومن شريك في الوطن إلى رقم في حسابات النفوذ. هنا يبدأ الانهيار الحقيقي، لا بوصفه أزمة ظرفية، بل كنمط دائم من العجز.
ويشكّل الاقتصاد أحد أبرز خطوط الدفاع الوطني. فالفقر ليس أزمة اجتماعية فقط، بل خطر سياسي وأمني مباشر. في لبنان، أدى الانهيار الاقتصادي إلى زيادة التبعية، وتفكك الطبقة الوسطى، وانتشار الزبائنية، وارتفاع قابلية الشباب للتطرّف أو الهجرة أو الارتهان. لا يمكن تحصين بلد مفلس، ولا يمكن الحديث عن استقلال سياسي في ظل انهيار معيشي شامل. فالاستقرار الاقتصادي هو المدخل الطبيعي لأي سيادة حقيقية.
وتبقى معركة الوعي من أخطر المعارك وأكثرها إهمالًا. فالحروب لا تبدأ بالسلاح، بل بالكلمة. وقد لعب جزء من الإعلام اللبناني دورًا سلبيًا عبر تضخيم الانقسامات، وتبرير التحريض، وتسويق الخطاب الطائفي، بدل بناء ثقافة نقدية وطنية. كما فشلت المناهج التربوية في ترسيخ مفهوم المواطنة الجامعة، وفي إعداد أجيال قادرة على التفكير المستقل. ومن دون وعي نقدي، يبقى المجتمع عرضة للتلاعب والتجييش.
ولا تكتمل أي مناعة داخلية دون مرجعية أمنية واحدة. فازدواجية القرار العسكري أو الأمني تعني إضعاف الدولة، وتعميق الانقسام، وفتح الباب أمام الفوضى والتدخلات. الدولة التي لا تملك أمنها، لا تملك سيادتها، ولا تستطيع حماية استقرارها أو فرض احترامها في الداخل والخارج.
إلى جانب ذلك، تعاني البلاد من أزمة قيادة حقيقية. فمشكلة لبنان ليست فقط أزمة نظام، بل أزمة نخب سياسية. البلاد تحتاج إلى قيادات لا تتغذى من الخوف، ولا تستثمر في الكراهية، ولا تحتمي بالطائفة، بل تتحدث بلغة الدولة والمصلحة العامة. من دون هذا النموذج القيادي، يبقى التغيير مستحيلًا، وتبقى كل المبادرات أسيرة الحسابات الضيقة.
ورغم كل ذلك، فإن بناء مناعة وطنية في لبنان ليس أمرًا مستحيلًا، لكنه يتطلب مسارًا متكاملًا يقوم على إعادة الاعتبار للدولة كمرجعية نهائية، وإطلاق إصلاح سياسي وقانوني فعلي، وتحقيق نهوض اقتصادي منتج، وترسيخ إعلام مسؤول، وتطوير تربية وطنية حديثة، وضمان استقلال القرار الأمني، وفرض محاسبة جدّية للفساد. هذه الشروط ليست مثالية ولا طوباوية، بل ضرورية للبقاء.
أما عدم تحقق هذه الشروط حتى اليوم، فيعود أساسًا إلى مصالح الطبقة السياسية، والتدخلات الخارجية، وضعف الضغط الشعبي المنظّم. فكل مشروع وطني حقيقي يصطدم بهذه الجدران الثلاثة، التي تحمي منظومة الفشل وتمنع قيام دولة فعلية.
يبقى لبنان قادرًا على بناء مناعة داخلية إذا تحوّل من دولة الطوائف إلى دولة المواطنين، ومن ساحة صراع إلى دولة قرار، ومن مجتمع خائف إلى مجتمع واعٍ. أما الاستمرار في النهج الحالي، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الهشاشة والانكشاف، ومزيد من الارتهان للأزمات الخارجية.
المناعة الوطنية لا تُمنَح، بل تُبنى. ولا تُبنى بالشعارات، بل بالإرادة والوعي والمحاسبة. لبنان لا ينقصه الذكاء ولا الموارد البشرية ولا الطاقات الخلّاقة، بل ينقصه فقط مشروع دولة حقيقي، يُخرج الوطن من منطق التسويات المؤقتة إلى منطق البناء الدائم.









