21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الأمم المتحدة تحذر من "أهواء المليارديرات" في رسم مستقبل البشرية الرقمي

حيث أكد جوتيريش في خطاب تاريخي أن المسار الحالي الذي يتخذه تطور الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف عميقة تتعلق بالعدالة والمساواة

بقلم: محمد خميس
١٩ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
12 مشاهدة
أنطونيو جوتيريش

أنطونيو جوتيريش

شهدت القمة العالمية للذكاء الاصطناعي المنعقدة في الهند إطلاق سلسلة من التحذيرات شديدة اللهجة على لسان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، الذي وضع النقاط على الحروف فيما يخص مستقبل التكنولوجيا الفائقة وتأثيرها على البنية الاجتماعية والاقتصادية للعالم.

 حيث أكد جوتيريش في خطاب تاريخي أن المسار الحالي الذي يتخذه تطور الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف عميقة تتعلق بالعدالة والمساواة، مشدداً على أن هذه التكنولوجيا العابرة للحدود لا يجب أن تظل أسيرة في يد فئة قليلة من أصحاب النفوذ المالي أو الدول المتقدمة تقنياً، بل يجب أن تتحول إلى أداة لخدمة الإنسانية جمعاء دون استثناء أو إقصاء لأي طرف بناءً على قدراته المادية.

وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس للغاية، حيث تتسابق الشركات الكبرى والمليارديرات في وادي السيليكون وغيره لفرض سيطرتهم على الخوارزميات التي ستدير مستقبل الاقتصاد والطب والتعليم. 

ومن هذا المنطلق، يرى جوتيريش أن ترك الحبل على الغارب لهذه القوى الفاعلة دون وجود إطار قانوني وأخلاقي دولي سيؤدي حتماً إلى اتساع الفجوة الرقمية بين الشمال والجنوب، مما يجعل الدول النامية مجرد مستهلك لبيانات وخوارزميات لا تملك فيها حق القرار أو السيادة، وهو ما يهدد بظهور شكل جديد من أشكال الاستعمار الرقمي الذي قد يستمر لعقود طويلة إذا لم يتحرك المجتمع الدولي الآن.

المبادرة الأممية والتمويل العالمي

وفي خطوة عملية لترجمة هذه التحذيرات إلى واقع ملموس، دعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى دعم صندوق عالمي مخصص للذكاء الاصطناعي بقيمة تصل إلى 3 مليارات دولار، تهدف بشكل أساسي إلى بناء القدرات التكنولوجية الأساسية في الدول النامية التي تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لمواكبة هذا التطور المتسارع. 

وأوضح جوتيريش أن هذا التمويل ليس مجرد صدقة دولية، بل هو استثمار ضروري لضمان وصول مفتوح وعادل للجميع إلى هذه التكنولوجيا، مما يمنع انفراد قوى اقتصادية بعينها في توجيه دفة الابتكار بما يخدم مصالحها الضيقة فقط، ويضمن أن تكون أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للباحثين والمبتكرين في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بنفس القدر المتاح لنظرائهم في الدول الغربية.

وأشار التقرير الذي أوردته صحيفة "إيكونوميك تايمز" الهندية إلى أن جوتيريش يرى في هذا الصندوق وسيلة لكسر احتكار "أهواء المليارديرات" الذين قد لا تتقاطع أهدافهم الربحية دائماً مع احتياجات التنمية المستدامة في المناطق الفقيرة. 

فبدلاً من التركيز على التطبيقات الاستهلاكية أو العسكرية، يمكن لهذا الصندوق توجيه الموارد نحو تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على حل مشكلات محلية معقدة، مثل ندرة المياه أو التنبؤ بالأوبئة، وهي مجالات قد لا تجذب استثمارات القطاع الخاص الباحث عن الربح السريع، ولكنها تمثل مسألة حياة أو موت للملايين حول العالم.

السيادة البشرية والرقابة الدولية

لم يغفل أنطونيو جوتيريش الجانب الأخلاقي والرقابي في كلمته، حيث ركز بشكل مكثف على ضرورة الحفاظ على "الإرادة البشرية" كمرجع نهائي لكافة القرارات التي تتخذها الآلات.

 وحذر من أن تفويض القرارات المصيرية للخوارزميات دون إشراف بشري صارم قد يؤدي إلى نتائج كارثية، خاصة في مجالات القضاء والأمن والخدمات العامة. 

ودعا إلى ضرورة وجود ضوابط دولية مدعومة من الجمعية العامة للأمم المتحدة لتأطير عمل هذه التقنيات، وضمان أن يظل البشر هم المتحكمون في مسار التكنولوجيا وليس العكس، وذلك من خلال وضع معايير عالمية للشفافية والمحاسبة الخوارزمية التي تمنع التحيز والتمييز العنصري أو الطبقي.

إن هذا التوجه نحو "الأنسنة الرقمية" يعكس رغبة الأمم المتحدة في منع تحول الذكاء الاصطناعي إلى "صندوق أسود" لا يعرف أحد كيف يتخذ قراراته، وهو ما يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمجتمع المدني. 

ويرى جوتيريش أن الجمعية العامة للأمم المتحدة هي المنصة الوحيدة التي تتمتع بالشرعية الكافية لمناقشة هذه القضايا، لأنها تمثل صوت كافة الدول، وليس فقط الدول التي تمتلك مراكز بيانات ضخمة أو شركات عملاقة، مما يضمن أن يكون القانون الدولي هو الحكم في النزاعات التقنية المستقبلية، ويحمي حقوق الأفراد في الخصوصية والكرامة الإنسانية في العصر الرقمي.

آفاق الابتكار في خدمة التنمية

وعلى الرغم من التحذيرات، رسم جوتيريش لوحة تفاؤلية لما يمكن أن يحققه الذكاء الاصطناعي إذا ما تم تطبيقه بالشكل الأمثل ووفق معايير أخلاقية عادلة. 

فقد أكد أن هذه التكنولوجيا تمتلك قدرات استثنائية لتسريع الاكتشافات في علوم الطب، مما قد يؤدي إلى إيجاد علاجات لأمراض مستعصية في وقت قياسي. كما شدد على دورها المحوري في توسيع فرص التعلم من خلال التعليم الشخصي والوصول إلى المعرفة في المناطق النائية، بالإضافة إلى تعزيز الأمن الغذائي العالمي عبر تحسين إنتاجية المحاصيل ومواجهة التغيرات المناخية التي تهدد كوكب الأرض، مما يجعل الذكاء الاصطناعي حليفاً استراتيجياً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030.

وفي ختام كلمته، شدد الأمين العام على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في كيفية إدارتها وتوزيع فوائدها. فإذا استمر العالم في المسار الحالي، فإننا نخاطر بتفاقم عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، أما إذا نجحنا في بناء تحالف عالمي يضع "الإنسان" في قلب الابتكار، فإن الذكاء الاصطناعي سيتحول إلى أعظم أداة عرفها البشر لتحسين جودة الحياة وتحقيق العدالة المفقودة. 

إن الرسالة الموجهة من قمة الهند واضحة وصريحة: مستقبل الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون ملكاً للجميع، وليس رهينة في أيدي القلة التي تملك المال والسلطة التقنية.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال