تبدو “الحرب الدينية” اليوم أقل حضوراً في الميدان مما هي في الوعي. فهي لا تُخاض بالسيوف بقدر ما تُخاض بالسرديات، ولا تُدار في ساحات القتال بقدر ما تُدار عبر الشاشات والمنابر الرقمية، حيث يُعاد تشكيل الصراع بوصفه تنازعاً لاهوتياً بين أتباع الديانات، رغم أن جذوره الراهنة سياسية وجيوسياسية في المقام الأول.
في هذا السياق، برزت المقابلة المطوّلة (165 دقيقة) التي أجراها الإعلامي اليميني الأمريكي ومقدّم فوكس نيوز السابق تاكر كارلسون مع السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي بوصفها نموذجاً دالاً على هذا التداخل المركّب بين العقيدة والسياسة. لم يكن الحوار مجرد نقاش عابر، بل مساحة اختبار علنية لمدى قابلية النصوص الدينية لأن تتحول إلى مرجعية في رسم تصورات جغرافية معاصرة.
كارلسون، الذي سبق أن أثار ضجة إعلامية بادعائه احتجازه لساعات في مطار بن غوريون، أدار الحوار بنَفَسٍ تصاعدي، ناقلاً النقاش من مسألة “معاملة المسيحيين” إلى سؤال أعمق يتصل بالمرجعيات العقدية. وعند التطرق إلى الإصحاح الخامس عشر من سفر التكوين – وهو نص توراتي لا تلمودي – بشأن الوعد الإلهي بالأرض “من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات”، انكشف بوضوح التوتر بين الإيمان الشخصي والخطاب السياسي.
الإجابة الأولى بدت أقرب إلى تبنّي قراءة حرفية واسعة للنص، قبل أن يجري توصيفها لاحقاً بأنها “مبالغة بلاغية”، مع التأكيد على أن إسرائيل الحديثة لا تسعى إلى احتلال أراضٍ خارج حدودها القائمة. غير أن الإشارة إلى احتمال التوسع في سياق حرب دفاعية أبقت الفكرة في دائرة الإمكان النظري، ولو بشروط.
الإشكالية، إذن، ليست في النصوص بحد ذاتها، بل في كيفية استدعائها ضمن سياق صراع معاصر. حين يُعاد تأويل نص ديني ليؤسس لرؤية جيوسياسية، ينتقل النزاع من مستوى المصالح القابلة للتفاوض إلى مستوى الهوية والقدر التاريخي. وهنا تتشكل “الحرب في الوعي”: صراع يتغذى من الشعور بأن الجغرافيا ليست مجرد حدود سياسية، بل امتداد لوعد أو رسالة أو سردية خلاص.
خطورة هذا المسار أنه يضيق مساحة البراغماتية السياسية. فكلما ارتفع منسوب الخطاب العقائدي، تراجعت إمكانات التسوية الواقعية. وكلما جرى تصوير النزاع بوصفه تجسيداً لوعد مقدّس، أصبح التنازل عنه أقرب إلى خيانة رمزية منه إلى خيار تفاوضي.
في المحصلة، لم تكن المقابلة حدثاً معزولاً، بل مرآة لمناخ أوسع تتشابك فيه الرمزية الدينية مع حسابات القوة. وبين “الاستعارة البلاغية” و”الإمكان العملي”، يبقى التحدي قائماً: كيف يمكن الفصل بين الإيمان بوصفه قيمة روحية، والسياسة بوصفها إدارة لمصالح متغيرة، حتى لا تبقى الجغرافيا رهينة صراع يُعاد إنتاجه أولاً في العقول، قبل أن يُختبر على الأرض؟










