أكد الباحث التركي د. بكير أتاجان، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية مؤقتة، بل تمثل جزءاً من مشروع استراتيجي أوسع يستهدف إعادة صياغة توازنات القوة في المنطقة.
وأوضح "اتاجان"، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أن هذا التوجه تجسد بوضوح في الخطاب الذي قدمه رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو أمام الأمم المتحدة، عندما عرض خريطة لما سماه "الشرق الأوسط الجديد"، في إشارة إلى رؤية تتجاوز حدود القطاع نحو إعادة ترتيب الإقليم سياسياً وأمنياً.
وأضاف أتاجان أن المرحلة الحالية تعكس انتقال الاحتلال من سياسة "الردع والاحتواء" إلى استراتيجية "إعادة التشكيل"، وهي مقاربة لا تقتصر على العمليات العسكرية، بل تشمل فرض وقائع سياسية وديمغرافية تدريجية يصعب التراجع عنها. ولفت إلى أن هذه السياسة تتغذى على خطاب أيديولوجي يستحضر مفاهيم مثل "إسرائيل الكبرى"، بينما يجري ترجمتها عملياً عبر إجراءات ميدانية وقانونية تعيد تعريف السيطرة الفعلية على الأرض.
استغلال الاضطراب الدولي
وأشار الباحث التركي إلى أن الاحتلال يستفيد من البيئة الدولية المضطربة، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا والتنافس بين أمريكا والصين وأزمات الطاقة العالمية، لفرض وقائع جديدة مستفيداً من انشغال القوى الكبرى. وأوضح أن هذا الانشغال يوفر هامشاً زمنياً يسمح بتمرير ترتيبات استراتيجية قبل أن تتبلور ضغوط دولية مضادة قادرة على وقفها.
وأكد أن هذه الظروف الدولية تخلق فرصة نادرة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة، بما يخدم الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية طويلة المدى، في ظل غياب ردع دولي حقيقي قادر على كبح هذا المسار.
الضفة هدف استراتيجي
وأوضح أتاجان أن الضفة الغربية تمثل المحور الأكثر حساسية في مشروع إعادة رسم الخريطة، مشيراً إلى أن الاحتلال يتبع سياسة تدريجية تقوم على توسيع الاستيطان، وتعزيز السيطرة الأمنية، وإضعاف السلطة الفلسطينية اقتصادياً ومؤسسياً. واعتبر أن هذه الإجراءات تهدف إلى خلق واقع جغرافي مجزأ يجعل قيام دولة فلسطينية متصلة أمراً شبه مستحيل.
وأضاف أن النتيجة المتوقعة لهذا المسار هي فرض نموذج حكم ذاتي محدود يخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية غير معلنة بالكامل، بما يؤدي فعلياً إلى إنهاء إمكانية إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية.
غزة ساحة استنزاف
وفيما يتعلق بقطاع غزة، أشار الباحث التركي إلى أن الاحتلال يتبع سياسة إدارة أزمة طويلة الأمد بدلاً من السعي إلى حسم نهائي، عبر الجمع بين العمليات العسكرية والضغط الإنساني. وأوضح أن بعض الطروحات المتعلقة بالتهجير أو إعادة التوطين تواجه عقبات كبيرة، أبرزها الرفض المصري والأردني، وحساسية الشارع العربي، والمخاوف الأوروبية من موجات لجوء جديدة.

وأكد أن هذه المعطيات تدفع الاحتلال إلى تثبيت ترتيبات أمنية تدريجية في القطاع، بما يضمن استمرار السيطرة دون تحمل أعباء سياسية وقانونية كاملة.
صراع إقليمي مفتوح
وأشار أتاجان إلى أن تداعيات إعادة رسم الخرائط لا تقتصر على الساحة الفلسطينية، بل تمتد إلى قوى إقليمية رئيسية مثل تركيا وإيران، التي ترى في هذه التحولات تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية. وأوضح أن هذا الواقع يفتح الباب أمام استمرار الصراعات غير المباشرة، وتعزيز نمط المواجهات الإقليمية منخفضة أو متوسطة الحدة.
وأضاف أن المنطقة قد تشهد إعادة تشكيل للتحالفات وفق منطق الردع المتبادل، في ظل سعي كل طرف لحماية موقعه في النظام الإقليمي الجديد.
تحالفات قيد التشكل
ولفت الباحث التركي إلى أن المرحلة الحالية تتسم بسيولة سياسية وتحالفات غير معلنة، تعكس إعادة حسابات استراتيجية عميقة داخل المنطقة. وأوضح أن دول الخليج، على سبيل المثال، تواجه معادلة معقدة بين مسار التطبيع مع الاحتلال ومتطلبات الأمن الداخلي والحفاظ على توازن علاقاتها الدولية.
وأشار إلى أن أي تحولات في مواقف هذه الدول يجب فهمها ضمن سياق إعادة التموضع الاستراتيجي، وليس باعتبارها مجرد تغييرات تكتيكية مؤقتة.
صلابة الداخل عامل الحسم
وأكد أتاجان أن العامل الحاسم في مسار إعادة تشكيل المنطقة يتمثل في صلابة الجبهات الداخلية للدول، مشيراً إلى أن نتائج الصراع لا تحددها القوة العسكرية فقط، بل أيضاً قدرة الدول على الصمود اقتصادياً واجتماعياً، والحفاظ على التماسك الداخلي.
وأوضح أن شكل النظام الإقليمي القادم سيتحدد بناء على توازن هذه العوامل، إلى جانب طبيعة الاصطفافات الدولية التي تتشكل في ظل التحولات الجارية في النظام العالمي.
وأضاف أن المعركة الحالية لا تدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل تشمل أيضاً إعادة تعريف مفاهيم الأمن القومي، وتحديد شكل النظام الإقليمي المقبل، في مرحلة وصفها بأنها قد ترسم خرائط جديدة للشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة.









