في خطوة جديدة لتجريم الصحافة ودورها في نقل الحقيقة، وقّع وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أمرًا عسكريًا يقضي بتصنيف عدد من المنصات الإعلامية الفلسطينية باعتبارها "منظمات إرهابية"، بذريعة ارتباطها بحركة حماس. وبحسب ما أوردته إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي أمس الأحد، فإن القرار جاء بناءً على توصية من رئيس جهاز "الشاباك"، ديفيد زيني، الذي رفع تقريرًا أمنيًا اعتبر فيه هذه المنصات "أذرعًا إعلامية" للحركة.
التوصيف لم يأتِ في سياق قضائي علني أو عبر إجراءات قانونية شفافة، بل من خلال أمر عسكري يصدر في بيئة احتلال تُدار فيها الضفة الغربية وقطاع غزة بقوانين الطوارئ والأوامر العسكرية. وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول حدود السلطة التي تمنحها إسرائيل لنفسها في ملاحقة الصحافة الفلسطينية، وحول استخدام تهمة "الإرهاب" كسيفٍ مسلط على أي رواية تناقض السردية الرسمية الإسرائيلية.
المنصات المستهدفة
أوضحت الإذاعة أن المنصات التي شملها القرار هي: "العاصمة نيوز"، و"معراج"، و"القدس البوصلة"، و"قدس بلس"، و"ميدان القدس". ووفق القائمة المنشورة، فقد تم إدراج صفحات هذه المنصات وقنواتها على تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، بما في ذلك تلغرام وفيسبوك وتك توك وواتساب، ضمن التصنيف ذاته.
هذا التوسّع في الاستهداف ليشمل الحسابات الرقمية يعكس إدراكًا إسرائيليًا لتأثير الفضاء الإلكتروني والصحافة في تشكيل الرأي العام، لا سيما في ظل الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023. فالمعركة لم تعد عسكرية فقط، بل إعلامية أيضًا، حيث تتنافس الروايات على كشف ما يجري في الميدان، خصوصًا في قطاع غزة الذي تعرّض لمجازر متواصلة منذ بداية العدوان، وسط اتهامات موثقة بارتكاب جرائم حرب.
حرب على الصحافة
القرار الجديد لا يمكن فصله عن سياق أوسع يتمثل في تصعيد ممنهج ضد الصحافة الفلسطينية خلال حرب الإبادة الجماعية في غزة. فقد حظر الاحتلال عمل قناة الجزيرة في فلسطين، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لإسكات واحدة من أبرز المنصات التي نقلت مشاهد الدمار والضحايا إلى العالم، وكشفت حجم الكارثة الإنسانية الناتجة عن القصف الإسرائيلي.
ووفق المعطيات المتداولة، قُتل 260 صحفيًا في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، في رقم غير مسبوق يعكس حجم المخاطر التي يتعرض لها الإعلاميون الفلسطينيون أثناء تغطيتهم للعدوان. هذه الأرقام لا تشير فقط إلى خسائر بشرية، بل إلى استهداف ممنهج للبنية الإعلامية التي تنقل حقيقة ما يجري، في ظل دعم سياسي وعسكري مباشر من أمريكا، التي واصلت تزويد إسرائيل بالسلاح والدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية.
أرقام موثقة
في السياق ذاته، وثّقت لجنة حماية الصحفيين احتجاز الاحتلال الإسرائيلي 94 صحفيًا وإعلاميًا فلسطينيًا منذ أكتوبر 2023. ووفقًا لتقارير اللجنة، فإن من بين هؤلاء 60 صحفيًا من الضفة الغربية و33 من قطاع غزة، في مؤشر واضح على اتساع نطاق الاستهداف ليشمل مختلف الجغرافيا الفلسطينية.
تعكس هذه الأرقام نمطًا من التضييق يتجاوز الإجراءات الفردية إلى سياسة عامة تستهدف تقييد حرية التعبير وتفكيك البنية الإعلامية الفلسطينية. وبين تصنيف المنصات "إرهابية"، واعتقال الصحفيين وتجريم الصحافة، ومنع القنوات الدولية من العمل، تتكامل أدوات الضغط لإعادة تشكيل المشهد الإعلامي بما يخدم الرواية الإسرائيلية، ويقلّص مساحة كشف المجازر والانتهاكات المستمرة منذ أكتوبر 2023، في حرب تحظى بغطاء أمريكي مباشر، سياسيًا وعسكريًا، ما يعمّق الإحساس بأن استهداف الكلمة بات جزءًا لا يتجزأ من معركة السيطرة على الحقيقة.










