4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

"التدويل الزاحف" في غزة: هل تغيب السياسة أمام الخيالات الإسرائيلية؟

تظهر إسرائيل انشغالًا مهووسًا ودقيقًا في دراسة التشابه بين رمز النسر للجنة التكنوقراط المفترض إدارتها لقطاع غزة، وبين رمز السلطة الفلسطينية، وتستمر في تنفيذ خطوات دراماتيكية عمليًا على الأرض.

بقلم: سماح عثمان
٢٣ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
14 مشاهدة
قطاع غزة

قطاع غزة

تظهر إسرائيل انشغالًا مهووسًا ودقيقًا في دراسة التشابه بين رمز النسر للجنة التكنوقراط المفترض إدارتها لقطاع غزة، وبين رمز السلطة الفلسطينية، وتستمر في تنفيذ خطوات دراماتيكية عمليًا على الأرض. هذا الانشغال الرمزي يشكل مقدمة لضياع الاتجاه الإسرائيلي في غزة، ويكشف عن فجوة متسعة بين الأهداف التي وضعتها إسرائيل وبين الواقع على الأرض.
بالإضافة إلى ذلك، يستمر الصراع الدونكيشوتي لمنع مشاركة السلطة الفلسطينية في غزة، على الرغم من إنشاء لجنة ارتباط بين السلطة ولجنة التكنوقراط، بترحيب من مجلس السلام. هذا يعكس فجوة مضاعفة: بين السياسة الإسرائيلية الواقعية وبين نهج نتنياهو تجاه غزة، وبين هذه السياسة وتوجهات بقية العالم، بما في ذلك موقف الرئيس الحالي، ترامب.

مجلس السلام والاتجاهات المقبلة

فوفقا لمقال د. ميخائيل ميلشتاين بصحيفة يديعوت أحرنوت فإن"انعقاد مجلس السلام الأسبوع الماضي أعطى مؤشرات على المسار المستقبلي، لكنه كشف أيضًا عن المعضلات المتوقعة. تتسارع المناقشات حول القوة متعددة الجنسيات، رغم استحالة نزع سلاح "حماس"، وتتنقل الأموال من أجل إعادة إعمار القطاع، دون تحقيق أي تغييرات جوهرية في السيطرة على المنطقة.
في هذا السياق، تعود قطر إلى صدارة المشهد، رغم توق إسرائيل لتدخل دول عربية أخرى، وعلى رأسها السعودية، لكنها تصطدم بشروط إسرائيل الأساسية فيما يتعلق بدفع العملية السياسية للأمام. حكومة التكنوقراط التي ستصل غزة تبدو كطلاء تجميلي، خلفه ستواصل "حماس" فرض نموذجها على القطاع كما فعل "حزب الله" في لبنان.

غزة والعودة إلى الحرب 

في مواجهة السعي الدولي لتأسيس نظام جديد في غزة، تقدم إسرائيل خيارًا وحيدًا: العودة إلى الحرب، مع تصريحات متكررة عن احتلال القطاع لفترة طويلة. هناك أصوات في إسرائيل تقترح إعادة توطين السكان الفلسطينيين واستبدالهم بالمستوطنين اليهود، مما يعكس نزعة خطيرة تجاه فرض حلول ديموغرافية بالقوة.
كما هو الحال خلال الحرب، لا توجد دراسة متعمقة في إسرائيل حول مرحلة ما بعد النزاع. الخيال السياسي والشعارات تحل محل التخطيط الاستراتيجي، بما في ذلك دعم ميليشيات وعشائر مشكوك فيها لتكون بديلاً محتملاً لـ "حماس"، والشعارات المتعلقة بنزع التطرف "كما في ألمانيا واليابان بعد 1945"، رغم أن "حماس" متحكمة بالكامل في القطاع وتسيطر على التعليم وتشكيل الوعي الفلسطيني. تركيا في المقابل تبني مساجد جديدة في غزة، من بينها مسجد باسم عبدالله عزام، الشخصية الرمزية في فكر "حماس"، وهو ما لا يعكس أي توجه نحو الاعتدال أو التسامح.

الخط الأصفر والحدود الجديدة

إسرائيل تتمترس وراء ما يُعرف بالخط الأصفر الذي يقسم قطاع غزة ، ويدعي البعض أنه يمثل الحدود الجديدة. المفهوم الأمني الجديد يعتمد على التواجد في عمق أراضي العدو للدفاع عن حدود إسرائيل، لكن هذا يتطلب قيادة قادرة على تنفيذ خطط استراتيجية عميقة، وهو ما نفتقر إليه، إذ لا تزال مفاهيم الفشل والخطأ تسيطر على الفكر الأمني الإسرائيلي.
هذا المفهوم يفترض أيضًا عدم ممارسة ضغوط خارجية على إسرائيل، ويعطيها الحرية لاحقًا لمواصلة القتال بقوة، في حين أن ترامب يواصل إرسال إشارات تحذيرية لإسرائيل، وربما يطالب قريبًا بتعميق الانسحاب.

آثار البقاء بلا استراتيجية

الإبقاء على تواجد طويل في غزة بدون استراتيجية واضحة، وأهداف محددة وجداول زمنية، يولد ظواهر سلبية: تجدد الاشتباكات، خروقات خطيرة للقيم، مثل التهريب المشبوه أو محاولات إقامة مستوطنات في القطاع. حادثة سقوط الجندي الإسرائيلي غور كهاتي تعكس صراعًا بين الأماني السياسية والاحتياجات العملية، وتؤدي إلى شرخ داخلي كبير.
والد الجندي عوفري يافيه، الذي قُتل بالخطأ، جسد هذه المعضلة عندما طرح تساؤلات عن جدوى استمرار البقاء في غزة بعد انتهاء القتال. العناد الإسرائيلي بعدم تطوير استراتيجية واضحة وعدم مواجهة إخفاقات 7 أكتوبر يعكس ضعفًا مزمنًا في الاعتراف بالحقائق المعقدة، وبدلاً من معالجة الفجوات يتم تقديمها كإنجازات للجمهور.

التدويل الزاحف وضغوط ترامب

على الرغم من معارضة إسرائيل، تلعب تركيا وقطر دورًا مركزيًا في تصميم المشهد في غزة. هذا العناد الإسرائيلي يضعف نفوذها في القطاع مع التدويل الزاحف المستمر، ويجعلها مضطرة لتقبل مزيد من الضغوط من ترامب، كما حدث عند إنهاء الحرب، والانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن تسريع إعادة الإعمار، وصول قوة متعددة الجنسيات، وحكومة تكنوقراط، وربما نزع سلاح "حماس" الثقيل فقط مع تعميق الانسحاب الإقليمي.

الأولويات الحيوية للحفاظ على النفوذ

بدل العناد والشعارات، تحتاج إسرائيل للتركيز على ثلاثة أهداف حيوية: ضمان حرية العمل كما في لبنان، السيطرة على محور فيلادلفيا بدون تدخل فلسطيني، ومنع وصول أي قوات معادية إلى القطاع. لا يوجد بديل أفضل، وأهون الشرين يبدو أن يكون حكومة التكنوقراط، كحل مؤقت إلى أن تتبلور استراتيجية إسرائيلية شاملة للتعامل مع "حماس" بشكل جذري.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

"التدويل الزاحف" في غزة: هل تغيب السياسة أمام الخيالات الإسرائيلية؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°