21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

رمضان تحت النار: كيف يُدار الجوع في غزة بين القصف وسياسة المعابر؟

يطل شهر رمضان في غزة في وقتٍ يتواصل فيه القصف الإسرائيلي على قطاع غزة بلا انقطاع منذ أكتوبر 2023، تتكثّف الأسئلة حول جدوى الحديث عن “تهدئة” في ظل واقع ميداني

بقلم: سماح عثمان
٢٤ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
11 مشاهدة
رمضان  في غزة

رمضان في غزة

يطل شهر رمضان في غزة في وقتٍ يتواصل فيه القصف الإسرائيلي على قطاع غزة بلا انقطاع منذ أكتوبر 2023، تتكثّف الأسئلة حول جدوى الحديث عن “تهدئة” في ظل واقع ميداني يشي بأن الضغط العسكري ما زال هو اللغة الأساسية التي يعتمدها الاحتلال. وبينما يُعلن عن مستجدات تتعلق بفتح معبر رفح بقيود مشددة، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف في معادلة تُدار بالنار والسياسة معًا، في مشهد تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات التفاوض، وتُدفع فيه كلفة إنسانية واقتصادية باهظة.

رمضان هذا العام لا يحلّ على غزة كطقسٍ روحاني، بل كاختبارٍ قاسٍ للأمن الغذائي، في ظل إغلاق جزئي للمعابر، وتقييد دخول المساعدات، واستهداف مستمر للبنية التحتية. ومع استمرار المجازر التي وثّقتها تقارير أممية منذ خريف 2023، يتعمّق الجرح الإنساني، ويتحوّل الغذاء من حقٍّ بديهي إلى أداة ضغط سياسي وعسكري.

رمضان تحت القصف 

منذ أكتوبر 2023، تتوالى الضربات الجوية والمدفعية الإسرائيلية على مناطق سكنية مكتظة، في سياق تقول تل أبيب إنه يستهدف “البنية التحتية للمقاومة”، غير أن حصيلة الضحايا المدنيين، بحسب تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، تكشف اتساع دائرة الاستهداف لتشمل أحياءً كاملة، ومدارس، ومراكز إيواء، وحتى طوابير انتظار المساعدات. هذا الواقع ينسف الرواية الإسرائيلية التي تروّج لدقة العمليات، ويؤكد أن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر.

اللافت أن وتيرة القصف لا تنفصل عن مسار التفاوض. فكلما طُرحت مبادرات تهدئة، تصاعدت العمليات العسكرية، في رسالة ضغط واضحة. هذا التلازم بين النار والسياسة يعكس استراتيجية تقوم على تحسين شروط التفاوض عبر الميدان، حتى لو كان ذلك على حساب أرواح المدنيين، في مشهد يتكرّس فيه الاستخدام الممنهج للقوة كأداة تفاوض غير مباشرة.

معبر رفح بقيود

مستجدات فتح معبر رفح جاءت مشروطة بقيود مشددة على حركة الأفراد والبضائع، ومرتبطة بآليات رقابة معقدة تحدّ من تدفّق السلع الأساسية. ورغم أن أي انفراجة في المعبر تمثل متنفسًا نسبيًا، فإن طبيعة القيود المفروضة تقلّص من أثرها الإنساني، وتحصرها في إطار إداري لا يرقى إلى مستوى الحاجة الفعلية لسكان القطاع.

الإغلاق الجزئي لا يعني فقط بطء دخول الشاحنات، بل يعني عمليًا إعادة إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة. فالكميات المحدودة من الغذاء والوقود لا تكفي لإعادة تشغيل المخابز والمستشفيات بشكل مستقر، ولا لتأمين سلاسل إمداد منتظمة. وهنا يتحول المعبر من شريان حياة إلى صمام تحكّم، يُفتح بقدر ويُغلق بقدر، وفق حسابات تتجاوز البعد الإنساني.

رمضان والأمن الغذائي

رمضان في غزة ليس موسم استهلاك اعتيادي، بل محطة تضامن اجتماعي تتكثف فيها الحاجة إلى الغذاء، خصوصًا لدى العائلات التي فقدت مصادر دخلها بسبب الحرب. ومع تدمير مساحات زراعية واسعة، وتعطّل قطاع الصيد، وانهيار الأنشطة التجارية، بات الاعتماد شبه الكامل على المساعدات. غير أن تدفّق هذه المساعدات يخضع لقيود الاحتلال وإجراءاته الأمنية.

الإغلاق الجزئي لمعبر رفح في هذا التوقيت يفاقم هشاشة الأمن الغذائي. فارتفاع الأسعار، وشحّ السلع، وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل تضع آلاف الأسر أمام معادلة قاسية في شهر رمضان : تقليص الوجبات، أو الاستدانة، أو الاعتماد على مطابخ خيرية تعاني أصلًا من نقص الإمدادات. وهكذا يتحوّل الشهر الذي يفترض أن يكون مساحة للسكينة إلى زمن قلق يومي على لقمة الإفطار.

اقتصاد تحت الأنقاض

الحرب لم تدمّر البيوت فقط، بل نسفت البنية الاقتصادية للقطاع. المنشآت الصناعية الصغيرة، والأسواق المحلية، ومخازن السلع، تعرضت لأضرار جسيمة، ما أدّى إلى تعطّل عجلة الإنتاج والتوزيع. ومع القيود المفروضة على دخول المواد الخام والوقود، يصبح الحديث عن “تعافٍ اقتصادي” أقرب إلى التمنّي منه إلى الواقع.

في هذا السياق، لا يمكن فصل الأزمة الغذائية  في رمضان عن الانهيار الاقتصادي الأشمل. فحتى لو دخلت مساعدات بكميات أكبر، فإن غياب دورة اقتصادية طبيعية يعني استمرار الاعتماد على الإغاثة بدل التنمية. وهذا ما يعمّق التبعية، ويُبقي المجتمع رهينة لقرارات سياسية وأمنية لا يملك التأثير فيها، بينما تلعب أمريكا دورًا مباشرًا في دعم العمليات الإسرائيلية سياسيًا وعسكريًا، وفق ما تعكسه مواقف الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة الرئيس ترامب منذ 2024.

التهدئة والضغط

الحديث عن تهدئة في ظل استمرار القصف يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يُراد للتهدئة أن تكون وقفًا حقيقيًا لإطلاق النار، أم مجرّد إعادة ترتيب للواقع الميداني؟ التجارب السابقة تشير إلى أن الاحتلال يستخدم الضغط العسكري لتحسين موقعه التفاوضي، بحيث تصبح التهدئة نتيجة ميزان قوى مختل، لا اتفاقًا متكافئًا.

هذا الربط بين المسارين يكشف أن المعاناة الإنسانية ليست عرضًا جانبيًا، بل عنصرًا داخل معادلة الضغط. فكلما اشتدّ الخناق الاقتصادي والإنساني، زادت كلفة الصمود على المجتمع، ما يُفترض أن ينعكس على مواقف الفاعلين السياسيين. غير أن ما حدث منذ أكتوبر 2023 يُظهر أن سياسة الحصار والقصف لم تُنتج استسلامًا، بل عمّقت المأساة، ووسّعت الفجوة بين الرواية الإسرائيلية التي تدّعي “الدفاع عن النفس” وواقع ميداني يفيض بصور المجازر والدمار.

في المحصلة، يقف قطاع غزة على تخوم مرحلة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات التهدئة، بينما يبقى الأمن الغذائي في رمضان عنوانًا صارخًا لأزمة أعمق: أزمة شعب يُحاصر بالنار والجوع معًا، وتُدار قضيته في غرف السياسة بقدر ما تُحسم في سماءٍ لا تهدأ فيها الطائرات.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال