حذّر الدكتور محمد خليل مصلح، المحلل السياسي المختص في الشأن الإسرائيلي، من أن مجموعة مؤشرات متزامنة تكشف أن المنطقة قد تكون على أعتاب تحول استراتيجي كبير، مؤكداً أن ما يجري لا يندرج في إطار التوتر التقليدي، بل يمثل منظومة إنذار متكاملة قد تسبق انفجاراً إقليمياً واسعاً. وأوضح أن هذه القراءة تستند إلى تحليل معلومات ومعطيات قائمة، وليست مجرد توقعات نظرية، بل تقدير موقف مبني على إشارات سياسية وعسكرية وأمنية متقاطعة.
وأشار إلى أن أول هذه المؤشرات يتمثل في تصريحات الصحفية الأمريكية لورا لومر، التي توصف بأنها الصوت الموازي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث ألمحت إلى "يوم مثير جداً"، وهو تصريح اعتبره تسريباً مقصوداً يهدف إلى تهيئة الرأي العام لحدث كبير. ولفت إلى أن هذا التصريح اكتسب أهمية إضافية لتزامنه مع انتهاء المهلة الدبلوماسية التي كان ترامب قد منحها لإيران، ما يعزز فرضية الانتقال إلى مرحلة جديدة تتجاوز الضغط السياسي نحو الفعل العسكري.
إجلاء بيروت
وأكد مصلح أن إجلاء عشرات الموظفين من السفارة الأمريكية في بيروت يمثل مؤشراً عسكرياً بالغ الخطورة، موضحاً أن هذا الإجراء ليس إخلاءً روتينياً، بل يندرج ضمن ما يعرف بإجراء "Ordered Departure"، الذي يتم تنفيذه فقط عندما يكون هناك تهديد وشيك خلال فترة تتراوح بين 24 و72 ساعة. وأضاف أن هذا الإجراء يعكس مستوى قلق مرتفعاً لدى واشنطن، ويشير إلى احتمال وقوع عمل عسكري كبير في المنطقة.
وأوضح أن بيروت قد لا تكون الهدف المباشر للضربة، بل منطقة رد فعل متوقع، خاصة في ظل وجود حزب الله، مشيراً إلى أن الرسالة الضمنية من الإجلاء هي تحييد أي تدخل محتمل من الحزب. واعتبر أن هذه الخطوة ترفع القيود السياسية والأخلاقية التي قد تعيق أي عملية عسكرية إسرائيلية أو أمريكية، وتفتح المجال أمام تصعيد واسع دون عوائق دبلوماسية.
ضغط طهران
وفي السياق ذاته، أشار مصلح إلى أن المظاهرات في جامعة طهران تمثل مؤشراً على وجود ضغط داخلي متزايد على النظام الإيراني، خاصة مع تزامنها مع مناسبة الأربعين، التي شكلت تاريخياً نقطة انطلاق لاحتجاجات كبرى. واعتبر أن هذا الوضع يضع إيران أمام تحدٍ مزدوج، يتمثل في مواجهة تهديد خارجي محتمل واضطرابات داخلية متنامية.
وأضاف أن هذا التزامن يضعف قدرة طهران على المناورة الاستراتيجية، ويجبرها على الاختيار بين التصعيد الخارجي لتوحيد الجبهة الداخلية أو الانكفاء للتركيز على الاستقرار الداخلي. وأكد أن هذا العامل يمثل فرصة استراتيجية لخصوم إيران، الذين قد يرون في هذا التوقيت لحظة مناسبة لتنفيذ ضربة عسكرية حاسمة.
سوابق مماثلة
وأوضح مصلح أن هذه التطورات تعيد إلى الأذهان ما حدث في بغداد في يونيو 2025، عندما تم إجلاء السفارة الأمريكية قبل يوم واحد فقط من ضربات إسرائيلية استهدفت إيران، مشيراً إلى أن هذا النمط يعكس وجود آلية تنسيق مسبق بين واشنطن وتل أبيب تعتمد على الإجلاء كإشارة تمهيدية للعمل العسكري.
وأكد أن هذا النمط يعكس ما وصفه بنظام "الإشارات المسبقة"، حيث يمثل الإجلاء الضوء الأصفر الذي يسبق الضوء الأخضر للضربة العسكرية، ما يعزز احتمال تكرار السيناريو نفسه في المرحلة الحالية، خاصة في ظل التشابه الكبير بين الظروف السابقة والحالية.
سيناريو الضربة
ورجّح مصلح أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قد يتجه لتنفيذ ما وصفه بخطة المرحلة الثانية، والتي تشمل تجميد الوضع في غزة تحت غطاء سياسي وإعلامي، بالتوازي مع تنفيذ ضربة ضد إيران بدعم أمريكي مباشر، بهدف إنهاء ملفها النووي وإعادة تشكيل التوازن الإقليمي بالقوة.
وأشار إلى أن هذا السيناريو يتزامن مع وصول حاملة الطائرات الأمريكية USS Gerald R. Ford إلى البحر المتوسط، إضافة إلى انشغال إيران بأزماتها الداخلية، فضلاً عن ما وصفه بعقيدة القوة التي يتبناها ترامب، والتي تقوم على فرض الوقائع العسكرية لتحقيق مكاسب سياسية.
احتمالات المواجهة
وأوضح أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في ضربة إسرائيلية محدودة ضد أهداف نووية إيرانية بدعم أمريكي، مع احتمال توسعها إلى ضربة مشتركة قد تؤدي إلى حرب إقليمية واسعة تشمل تدخلات دولية من قوى مثل روسيا والصين. وأضاف أن هناك أيضاً احتمالاً أقل يتمثل في تراجع مفاجئ من ترامب في اللحظة الأخيرة، أو رد إيراني استباقي قد يؤدي إلى حرب شاملة.
وأكد أن أخطر ما في المشهد هو إمكانية اندلاع حرب غير مقصودة نتيجة تراكم التصعيد، حيث تبدأ بإجلاء السفارات، ثم ضربة إسرائيلية، ثم رد إيراني، ثم تدخل أمريكي، ما يؤدي إلى انزلاق تدريجي نحو مواجهة إقليمية واسعة.
رهانات متقاطعة
وأشار مصلح إلى أن نتنياهو يراهن على تنفيذ ضربة حاسمة تعيد تثبيت زعامته وتخرجه من أزماته الداخلية، فيما يراهن ترامب على استخدام القوة لتحقيق نصر سياسي دون تحمل تكلفة حرب طويلة. وفي المقابل، تراهن إيران على استراتيجية الرد متعدد الجبهات، لكنها تواجه تحديات تتعلق بمدى فعالية دعم حلفائها الدوليين.
وأكد أن المنطقة تقف أمام لحظة مفصلية قد تتحول فيها سياسة الردع إلى مواجهة مباشرة، خاصة مع تصاعد سياسة التكتلات الدولية المتقابلة، وتحول الصراع من صراع نفوذ إلى صراع وجود.
لحظة التحول
واختتم مصلح تصريحه بالتأكيد على أن المؤشرات الحالية تدل على أن المنطقة قد تكون على بعد ساعات أو أيام من تحول استراتيجي كبير، مرجحاً أن تكون تصريحات لورا لومر جزءاً من عملية تهيئة نفسية لقرار عسكري تم اتخاذه بالفعل. وأضاف أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في ضربة إسرائيلية-أمريكية منسقة ضد إيران، قد تسبقها عمليات تمهيدية في لبنان وغزة.
وأشار إلى أن أخطر ما في هذه المرحلة هو غياب ضمانات لمنع التصعيد، محذراً من أن تداخل الحسابات السياسية والعسكرية، إلى جانب ما وصفه بعوامل الغرور والاندفاع، قد يدفع المنطقة نحو حرب واسعة لا يمكن السيطرة على تداعياتها، في ظل غياب أي طرف يمتلك القدرة أو الإرادة على الضغط على زر الإيقاف.










