الاقتصاد العالمي في غرفة الانتظار، والأرقام تكشف مبالغة ترامب، الذي وصف الاقتصاد الأمريكي بأنه "أعظم اقتصاد في التاريخ على الإطلاق"، لكن العبارة ليست مجرد توصيف اقتصادي، بل رسالة سياسية بدقة وامتياز، لكن كما المعهود أن الأرقام عنادها معروف، لا تنحاز للخطابة، بل تكشف الصور الأكثر تعقيدًا، والأقل احتفالية، فخلال فبراير الحالي، وبين مطرقة قرارات قضائية تحد من الصلاحيات التنفيذية، وسندان إصرار البيت الأبيض على إعادة فرض الرسوم الجمركية الغي مجدية حتى لأميركا نفسها، وجد الاقتصاد العالمي نفسه في "غرفة انتظار"؛ يترقب مصير سياسة تجارية مُتقلبة لإدارة شعبوية، وتوازنات جيوسياسية هشة، واحتمالات صدام قد يمتد من مضيق هرمز إلى وول ستريت. والسؤال:
هل نحن أمام أعظم اقتصاد في التاريخ؟، أم أمام اقتصاد قوي… لكنه مُثقل بالتباطؤ والضبابية؟
أولًا- الزلزال الاقتصادي بين القضاء وضبابية الجمارك: فما بين قرار المحكمة العليا الأمريكية في 20 فبراير 2026، بإبطال الرسوم المفروضة بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية، وما بين إدارة شعبوية تلعب بقانون "الغاب" فقط؛ لم يكن مجرد حكم تقني، بل إعادة رسم لحدود السلطة التنفيذية في إدارة التجارة، كما أن الرسوم الملغاة كانت قد ولّدت إيرادات تقارب 129 مليار دولار حتى نهاية 2025. لكن خلال ساعات، فعّل ترامب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، فارضًا تعرفة مؤقتة بنسبة 10% رُفعت لاحقًا إلى 15% لمدة 150 يومًا. هذه المناورة خلقت ثلاث نتائج مباشرة حولت الرسوم الجمركية من أداة تجارية إلى معركة دستورية، وأصبح الاقتصاد الأمريكي رهينة شد وجذب بين السلطات وهُم: (لا يقين قانوني بشأن استرداد الشركات نحو 170 مليار دولار مدفوعة سابقًا - ارتباك في سلاسل التوريد العالمية - ارتفاع متوسط التعرفة الفعلية إلى نحو9.1 % وهو أعلى مستوى منذ 1946 تقريبًا باستثناء عام 2025.
ثانيًا- التفاؤل الحذر: في الثقافة الصينية، يرمز "عام الحصان" إلى السرعة والانطلاق والحسم. ومع بداية العام الجديد، استقبلت الأسواق الصينية التطورات الأمريكية بنوع من التفاؤل البراغماتي، إذ ارتفع مؤشر CSI 300 بأكثر من 1%، وقفز اليوان إلى أعلى مستوى له منذ ثلاث سنوات تقريبًا (6.89 يوان للدولار)، ووفق تقديرات المؤسسات المالية توقعت انخفاض صافي الرسوم الأمريكية على البضائع الصينية بنحو 5 نقاط مئوية، مع توقعات بأن تتراجع التعرفة من 32% إلى نطاق 24-27%. فالأسواق الصينية قرأت قرار المحكمة ليس كهزيمة لترامب، بل كقيد مؤسسي يحد من اندفاعه الجمركي، وكأنها قراءة ذات دلالة نفسية، لكن الصورة الأوسع تكشف أن الاقتصاد الصيني نفسه يواجه تباطؤًا في قطاع العقارات وضعفًا في الطلب الداخلي، رغم استمرار قوة الصادرات، وبالتالي فإن أي تخفيف للرسوم يشكل دفعة معنوية أكثر منه تحولًا جذريًا.
ثالثًا- ماذا تقول الحقائق؟: تقول الأرقام حتى فبراير 2026، أن الوضع الاقتصادي يثبت أن الاقتصاد يتباطأ لكنه لم يدخل ركودًا، فوفق بيانات مكتب التحليل الاقتصادي، نما الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في الربع الرابع لعام 2025 إلى 1.4% بأقل من التوقعات 2.5%، بينما كان نمو عام 2025 بالكامل % 2.2 مقابل 2.8% في 2024، ولكن كانت تقديرات الربع الأول 2026 وفق نموذج GDPNow إلى % 3.1 .
والسؤال المُلح هُنا: هل هذا "أعظم أداء تاريخي"؟، فعلى مدار التاريخ، شهدت الولايات المتحدة معدلات نمو تجاوزت 4–5% في فترات سابقة، ما يجعل الوصف مبالغًا فيه.. أما سوق العمل فوفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، كان متوسط الوظائف المضافة شهريًا في 2025، لايزيد عن: 15 ألف وظيفة فقط، مقابل 168 ألفًا في 2024، ولا ننس المراجعة المعيارية التي ألغت 862 ألف وظيفة سابقة، ليتم إضافة 130 ألف وظيفة في أول 2026، وبالتالي يكون معدل البطالة %4.3 ، وهنا نلحظ أن سوق العمل صامد… لكنه ليس استثنائيًا في ظل معدلات التضخم الأساسية التي تدور ما بين 2.8–3%، كأعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي (2%)، وهو ما يعني أن أي تصعيد جمركي جديد قد يعيد الضغوط التضخمية.
ومقارنة بالتنين الصيني والاقتصادات الكبرى، فالصين من المتوقع نمو اقتصادها بين 4.5–5% في 2026، بينما منطقة اليورو ستكون عند 1%، بينما الهند تقريبًا 6%، وهُنا نفهم أن الولايات المتحدة لا تزال الاقتصاد الأكبر عالميًا (نحو 28 تريليون دولار)، لكن النمو النسبي أسرع في آسيا.
رابعًا_ فاتورة الحرب الأمريكية الإيرانية: فلو افترضنا نشوب نزاع عسكري مُباشر بين واشنطن وطهران، (وهو غالباً ما سيكون وفق معطيات ألاعيب إدارة ترامب) فإن التأثير لن يكون إقليميًا فحسب، بل عالميًا، حيثُ تمر عبر مضيق هرمز نحو ثلث صادرات النفط البحرية عالميًا، فأي إغلاق مؤقت قد يدفع الأسعار إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، بينما التقديرات المحتملة هي:
- ارتفاع النفط 20-30%.
- انكماش النمو العالمي 0.5-1%.
- زيادة التضخم العالمي بنحو 1%.
- موجة صعود للذهب قد تتجاوز 3000 دولار للأونصة.
إن إيران تنتج وحدها نحو 3.5 مليون برميل يوميًا (4% من الإمدادات العالمية). وإغلاق المضيق سيضر بها بقدر ما يضر بالعالم، وهو ما يجعل السيناريو الأكثر ترجيحًا هو الردع المُتبادل لا الحرب الشاملة، ومقارنة بأزمة 1973 النفطية أو حرب العراق 2003، فإن الترابط الحالي في سلاسل الإمداد يجعل الصدمة أسرع انتشارًا وأعمق أثرًا.
خامسًا- الاقتصاد العالمي في غرفة الانتظار: وهو ما نراه جلياً من المشهد الراهن الذي يتسم بثلاث سمات (سيولة نقدية حذرة من البنوك المركزية - تصاعد القومية الاقتصادية - هشاشة جيوسياسية في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية). ولا يزال مؤشر التقلبات (VIX) دون ذرواته التاريخية، ما يعني أن الأسواق تراهن على احتواء الأزمات، لا انفجارها، غير أن المفارقة أن المستثمرين يتوقعون ازدهارًا عالميًا في 2026، رغم مخاطر "فقاعة" محتملة في بعض القطاعات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.
سادسًا- المنقذ الواعي: تلعب دول الخليج العربي بريادة سعودية، دوراً محورياً في استقرار ودعم الاقتصاد الأمريكي من خلال ضخ سيولة هائلة في أسواق السندات، والاستثمارات المباشرة في التكنولوجيا والصناعة، وتنشيط قطاع الصادرات الأمريكية، وبالتالي تُعد دول الخليج من أكبر المقرضين الأجانب للحكومة الأمريكية، حيث تساهم في تمويل العجز الفيدرالي وضمان استقرار الدولار، ففي الوقت الذي قلصت فيه قوى اقتصادية مثل الصين حيازتها من الديون الأمريكية، استمرت دول الخليج في زيادة مشترياتها، مما وفر شبكة أمان للسيولة في واشنطن..
- المملكة العربية السعودية: ارتفعت حيازتها من سندات الخزانة الأمريكية إلى 149.5 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025، بزيادة قدرها 12 مليار دولار عن العام السابق (حسب بيانات وزارة الخزانة الأمريكية).
- الإمارات العربية المتحدة: برزت كأحد أكبر المشترين الجدد للديون الأمريكية في 2025، حيث زادت حيازتها بمقدار 30.3 مليار دولار خلال عام واحد، مما جعلها في المركز السابع عالمياً بين أكثر الدول زيادةً لمشترياتها من السندات الأمريكية.
|
القطاع |
الرقم / القيمة |
المصدر (تقريبي) |
|
سندات الخزانة (السعودية) |
149.5 $Billion |
وزارة الخزانة الأمريكية (Dec 2025) |
|
إجمالي استثمارات الخليج السيادية في 2025 |
126 $Billion |
Global SWF Report 2025 |
|
التزام استثماري إماراتي طويل الأمد |
1.4$ Trillion |
National Investment Strategy (UAE-US) |
|
الوظائف المدعومة بتمويل خليجي |
+172,000 Jobs |
تقارير PIF الاقتصادية |
جدول الأرقام والبيانات الرئيسية (2025-2026)
وقفة: ما بين الخطاب والواقع يكون الاقتصاد الأمريكي (قوي مرن) والأكبر عالميًا، بلا جدال. لكن وصفه بـ"الأعظم في التاريخ" يتجاهل تباطؤ النمو في 2025، وضعف سوق العمل نسبيًا إضافة لارتفاع الرسوم إلى أعلى مستوياتها منذ سبعة عقود وهشاشة أداء الاستقرار السياسي والقضائي.
إذاً: الاقتصاد العالمي اليوم لا يعيش لحظة ازدهار مُطلق، بل يقف في منطقة رمادية بين التعافي والتباطؤ، بين الردع والحرب، بين الحمائية والانفتاح، وعلينا أن نفصل بين الخطاب السياسي والميزان الرقمي، لأن الأرقام لا الشعارات والخطابات الهوجاء هي التي تحدد إن كان الاقتصاد أعظم حقًا… أم مجرد اقتصاد قوي في زمنٍ مضطرب. فكل حرب مُحتملة هي ضريبة عالمية، وكل رسم جمركي هو عبء على المستهلك، وكل مبالغة سياسية تحتاج إلى تدقيق رقمي، وهنا فقط تبدأ الصحافة الاقتصادية دورها الحقيقي: أن تضع الحماسة تحت مجهر الأرقام.








