4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: بين نيرانِ التّهديد وصمتِ الدّبلوماسيّة… هل تُشعِلُ واشنطنُ حرباً مع طهران على أبوابِ لبنان؟

بعد الخطابِ الأطولِ للرئيسِ الأميركيّ، لم يكنِ السّؤالُ في واشنطن هل ستُضرَبُ إيران، بل متى، وكيف، وبأيِّ سقفٍ سياسيّ. فالخطابُ لم يكن إعلانَ حرب

بقلم: د. ليون سيوفي
٢٥ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
22 مشاهدة
د. ليون سيوفي يكتب: بين نيرانِ التّهديد وصمتِ الدّبلوماسيّة… هل تُشعِلُ واشنطنُ حرباً مع طهران على أبوابِ لبنان؟

د. ليون سيوفي يكتب: بين نيرانِ التّهديد وصمتِ الدّبلوماسيّة… هل تُشعِلُ واشنطنُ حرباً مع طهران على أبوابِ لبنان؟

«ضمير الناس في زمن الصمت»

بعد الخطابِ الأطولِ للرئيسِ الأميركيّ، لم يكنِ السّؤالُ في واشنطن هل ستُضرَبُ إيران، بل متى، وكيف، وبأيِّ سقفٍ سياسيّ. فالخطابُ لم يكن إعلانَ حرب، لكنّه أيضاً لم يكن مجرّدَ استعراضٍ بلاغيّ. كان رسالةَ ضغطٍ مُركَّبة، موجَّهةً إلى طهران، وإلى الدّاخلِ الأميركيّ، وإلى الحلفاءِ في آنٍ معاً.

الولاياتُ المتحدةُ الأميركيّة تُديرُ لحظةً دقيقة، فهي لا تُريدُ حرباً شاملةً في عامٍ انتخابيٍّ حسّاس، لكنها في الوقتِ نفسِه لا تستطيعُ إظهارَ تراجعٍ أمام مشروعٍ نوويٍّ تعتبره تهديداً استراتيجيّاً مباشراً. لذلك بدا الخطابُ أقربَ إلى «وضعِ مُهلةٍ سياسيّة» غير مُعلنة، تُستَخدمُ فيها لغةُ الحزم لرفعِ منسوبِ الردع، لا لإشعالِ النّار فوراً.

السيناريو الأقربُ اليوم ليس ضربةً واسعة، بل احتمالُ عمليّةٍ محدودةٍ ومدروسةٍ، إن فشلت القنواتُ الخلفيّة. ضربةٌ محسوبة تُعيدُ رسمَ الخطوطِ الحمراء، من دون الانزلاقِ إلى مواجهةٍ إقليميّةٍ مفتوحة. أمّا الحربُ الشاملة، فكلفتُها العسكريّةُ والاقتصاديّةُ مرتفعةٌ جداً، وارتداداتُها على أسواقِ الطّاقة والممرّاتِ البحريّة قد تُربكُ الاقتصادَ العالميّ، وهو ما لا ترغبُ به واشنطن في هذه المرحلة.

في المقابل، تُدركُ طهران أنّ أيَّ ردٍّ مباشر قد يفتحُ البابَ أمام تصعيدٍ لا يمكنُ احتواؤه. لذلك يُتوقَّع، إن حصلت ضربة، أن تلجأ إلى أدواتِ الردّ غير المباشر، عبر ساحاتٍ إقليميّة، مع الحفاظ على هامشِ إنكارٍ سياسيّ. هذه هي طبيعةُ الاشتباكِ بين الطّرفين: رسائلُ بالنّار، لكن تحت سقفٍ مضبوط.

غير أنّ السؤالَ الأخطر اليوم لم يعد محصوراً في: هل ستُضرَبُ إيران؟ بل بات: هل يمكنُ استبدالُ المواجهةِ معها بحربٍ على حزبِ الله في لبنان؟

في الحساباتِ الغربيّة، يُنظَرُ أحياناً إلى لبنان كـ«ساحةٍ بديلة»، تُستخدَمُ للضغط على طهران من دون الذهاب إلى مواجهةٍ مباشرةٍ معها. فاستهدافُ حزبِ الله يُضعفُ أهمَّ أذرعِ إيران الإقليميّة، ويُوجِعُها سياسيّاً وعسكريّاً، من دون تحمّلِ كلفةِ الحرب المباشرة.

لكنّ هذا الخيار، رغم إغراءاته، يبقى محفوفاً بالمخاطر. فأيُّ حربٍ على لبنان تعني دماراً واسعاً، وتهديداً للجبهةِ الداخليّةِ الإسرائيليّة، واحتمالَ تمدّدِ المواجهةِ إلى سوريا والعراق واليمن. وهذا ما يجعلُ واشنطن متردّدةً حتى اللحظة في دفعِ المنطقةِ نحو انفجارٍ شامل.

أمّا حزبُ الله، فيُدركُ أنّه هدفٌ محتمل في أيّ تصعيدٍ كبير، ولذلك يعتمدُ سياسةَ الردعِ الوقائيّ: لا يذهبُ إلى الحرب، لكنه لا يسمحُ بأن تُفرَضَ عليه من موقعِ ضعف.

أمّا انعكاسُ كلِّ ذلك على لبنان، فهو الأخطر. لبنان يقفُ اليوم على حافةِ توازنٍ هشّ... اقتصادٌ منهك، مؤسّساتٌ ضعيفة، وبنيةٌ اجتماعيّةٌ مُرهَقة. وأيُّ تصعيدٍ أميركيّ–إيرانيّ سيضعه تلقائيّاً في دائرةِ الضغط، سواء عبر الحدودِ الجنوبيّة، أو عبر توتيرِ الداخل، أو عبر استهدافِ استقراره الهشّ.

ولهذا، فإنّ أخطرَ ما يواجهُ لبنان ليس الحربَ بحدِّ ذاتها، بل تحوّله الدائم إلى صندوقِ رسائل بين القوى الكبرى، وساحةٍ مفتوحةٍ لتصفيةِ الحسابات الإقليميّة، في ظلّ غيابِ مشروعٍ وطنيٍّ يحميه.

الخلاصة أنّ خطابَ ترامب اليوم لم يكن إعلانَ حرب، بل إعلانَ استعداد. الكرةُ الآن في ملعبِ المفاوضاتِ غير المُعلَنة، والضغوطِ المتبادلة، والرسائلِ غير المباشرة. الأيامُ المقبلة ستكشفُ إن كان التصعيدُ سيبقى في إطارِ التهويلِ الاستراتيجيّ، أم سيتحوّلُ إلى فعلٍ عسكريٍّ محدود يعيدُ خلطَ الأوراق.

المنطقةُ تعيشُ لحظةَ ترقّب، لا لحظةَ انفجارٍ بعد. لكن في الشرقِ الأوسط، يكفي خطأٌ واحد في الحسابات، أو قراءةٌ خاطئة للتوازنات، كي يتحوّل التلويحُ إلى مواجهة، ويُدفَع لبنان مرّةً جديدة ثمنَ صراعاتٍ لا قرار له فيها.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي يكتب: بين نيرانِ التّهديد وصمتِ الدّبلوماسيّة… هل تُشعِلُ واشنطنُ حرباً مع طهران على أبوابِ لبنان؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°