في مشهد سياسي استثنائي حبس أنفاس واشنطن والعالم، ألقى الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب فجر الأربعاء خطاب حالة الاتحاد أمام الكونجرس داخل مبنى الكابيتول، في جلسة اتسمت بقدر كبير من التوتر السياسي والانقسام الحزبي. وقد غاب عدد من المشرّعين الديمقراطيين عن الجلسة في خطوة عكست عمق الاستقطاب الداخلي، فيما أفادت شبكة CNN بأن الخطاب حطم الرقم القياسي بوصفه الأطول في تاريخ خطابات حالة الاتحاد، وهو ما منح المناسبة طابعًا استثنائيًا على مستوى الشكل والمضمون معًا.
الخطاب لم يكن مجرد عرض تقليدي لإنجازات الإدارة، بل بدا أقرب إلى بيان سياسي شامل يعيد رسم أولويات المرحلة المقبلة، داخليًا وخارجيًا، ويضع معالم مشروع سياسي يسعى ترامب إلى ترسيخه في ولايته الحالية منذ يناير 2025، مستندًا إلى خطاب القوة، واستعادة الهيبة، وإعادة تشكيل قواعد اللعبة الاقتصادية والأمنية.
الأمن والعسكر
استهل ترامب كلمته برسائل حازمة في الملف الأمني، مؤكدًا أن العمليات العسكرية الأمريكية في منطقة الكاريبي نجحت في منع دخول كميات قياسية من المخدرات إلى أمريكا، واصفًا ذلك بأنه إنجاز استراتيجي غير مسبوق في حماية الأمن القومي. وقدّم هذه العمليات باعتبارها نموذجًا لفعالية مقاربته التي تمزج بين الردع العسكري والتنسيق الاستخباراتي العابر للحدود، في مواجهة شبكات الجريمة المنظمة.
وكشف الرئيس الأمريكي ترامب عن وجود عناصر روسية وصينية خلال عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، معتبرًا أن توقيفه يمثل “نصرًا للأمن القومي الأمريكي”، ومشيرًا إلى تنسيق وثيق مع رئيسة فنزويلا بالوكالة. هذا الطرح حمل رسائل تتجاوز فنزويلا ذاتها، ليضع موسكو وبكين ضمن سياق تنافسي مباشر مع أمريكا في ساحتها الخلفية، ويعكس رؤية تعتبر نصف الكرة الغربي مجالًا حيويًا لا تقبل فيه واشنطن اختراقات استراتيجية من قوى كبرى منافسة.
وفي رسالة مزدوجة، أعلن ترامب أنه لا يسعى لاستخدام القوة العسكرية، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تؤمن بـ”السلام من خلال القوة”. هذه المعادلة، التي تعيد إنتاج خطاب تقليدي في السياسة الأمريكية، تعكس قناعة بأن الردع لا يتحقق إلا بتفوق عسكري واضح، حتى في لحظات الحديث عن الدبلوماسية.
ترامب والسياسة الخارجية
في ما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، شدد ترامب على أنه يعمل جاهدًا لإنهائها، من دون أن يكشف تفاصيل واضحة حول آليات التسوية أو الضمانات الأمنية. وطرح مقاربة تقوم على تقليص الانخراط المباشر مع الدفع نحو تسوية تفاوضية، في محاولة لإظهار نفسه كصانع صفقات قادر على إنهاء الحروب المكلفة.
أما في الملف الإيراني، فأعرب عن رغبته في التوصل إلى اتفاق نووي جديد، مفضّلًا الدبلوماسية، لكنه شدد بعبارات حاسمة على أنه “لن يسمح بوجود سلاح نووي في إيران”، معتبرًا أن الصواريخ الإيرانية تهدد أوروبا وجميع الدول. وأعلن أن بلاده قضت على البرنامج النووي الإيراني، في تصريح يحمل أبعادًا سياسية أكثر من كونه توصيفًا تقنيًا، خاصة في ظل تعقيدات هذا الملف وتشابكاته الدولية.
وقال ترامب: “نحن في مفاوضات معهم، وهم يريدون إبرام اتفاق، لكننا لم نسمع منهم تلك الكلمات السرية… لن نمتلك أبدًا سلاحًا نوويًا”، مضيفًا: “أفضل حل هذه المشكلة من خلال الدبلوماسية، لكن هناك أمرًا واحدًا مؤكدًا… لن أسمح أبدًا للدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم بامتلاك سلاح نووي”. بهذا الخطاب، جمع بين عرض باب التفاوض والإبقاء على سقف تهديدي مرتفع.
وفي ملف الشرق الأوسط، أعلن إنهاء حرب غزة وإعادة المحتجزين، واصفًا ذلك بأنه “أمر لا يصدق”، وموجهًا الشكر إلى ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وماركو روبيو على دورهم في إنهاء الحرب، مؤكدًا أن إدارته أنهت عددًا من الحروب والصراعات. غير أن هذا الطرح يغفل، بحسب تقارير حقوقية دولية، حجم الدمار والمجازر التي شهدها القطاع منذ أكتوبر 2023، في ظل دعم أمريكي عسكري وسياسي مباشر لإسرائيل، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة “الإنهاء” المعلن، وما إذا كان يعكس تسوية عادلة أم مجرد إعادة ترتيب موازين القوة على الأرض.
الداخل والسياسة
داخليًا، أعلن ترامب أن العاصمة واشنطن أصبحت خالية من الجريمة، متعهدًا بعدم السماح بالعنف السياسي في أمريكا، في رسالة تستهدف طمأنة الرأي العام بعد سنوات من الاستقطاب الحاد. لكنه في الوقت نفسه هاجم الديمقراطيين بشدة، متهمًا إياهم بالغش في الانتخابات، ومطالبًا الكونجرس بتمرير مشروع قانون يمنع المهاجرين غير الشرعيين من التصويت، مع قصر التصويت عبر البريد على حالات المرض والإعاقة.
كما دعا إلى إقرار قانون “إنقاذ أمريكا” لإخراج المهاجرين غير الشرعيين، منتقدًا ما وصفه برفض الديمقراطيين الموافقة على ميزانية الحدود وفتحها أمام المجرمين. هذا الخطاب يعيد الهجرة إلى صدارة المشهد السياسي، بوصفها ملفًا تعبويًا بامتياز، يُستخدم لتعزيز صورة القيادة الحازمة في مواجهة “الفوضى”.
وأعلن “الحرب على الفساد” بقيادة جي دي فانس، مشيرًا إلى خطة لمنح العمال المزايا التقاعدية نفسها الممنوحة لموظفي الحكومة، مع وعد بإعلان خطة خاصة بالمتقاعدين العام المقبل، ومطالبًا الكونجرس بإقرار برنامجه، في محاولة للجمع بين خطاب الشعبوية الاجتماعية والتشدد المحافظ.
الاقتصاد والمال
اقتصاديًا، تعهّد ترامب بخفض أسعار الأدوية والرعاية الصحية والكهرباء، معتبرًا أن النظام الصحي السابق كان يضر الأمريكيين، وأن إدارته أصلحت “كارثة” الرعاية الصحية. هذا الطرح يهدف إلى إعادة صياغة صورة الإدارة كحامية للطبقة المتوسطة في مواجهة ما يُقدَّم كإرث اقتصادي مثقل بالأزمات.
ودافع عن سياسة الرسوم الجمركية، معتبرًا أنها أفضل من فرض ضرائب مباشرة على المواطنين، بل وأشار إلى أن يومًا سيأتي تحل فيه الرسوم محل ضرائب الدخل. ووصف قرار المحكمة العليا بشأن الرسوم بأنه “مؤسف للغاية”، لافتًا إلى أن دولًا عدة ترغب في الاستمرار في دفعها رغم القرار، في إشارة إلى إصراره على استخدام الأدوات التجارية كوسيلة ضغط سياسية واقتصادية.
وأكد أن الديمقراطيين صوّتوا ضد أكبر تخفيضات ضريبية، بينما خفّضت إدارته الضرائب بصورة غير مسبوقة. كما أشار إلى استقبال أكثر من 80 مليون برميل من النفط الفنزويلي، وإيجاد 1.2 مليون فرصة عمل، وضخ استثمارات تتجاوز تريليون دولار خلال نحو عام، في عرض رقمي يهدف إلى تثبيت سردية الانتعاش الاقتصادي.
واتهم إدارة الرئيس السابق جو بايدن بترك “أسوأ نسبة تضخم في تاريخ أمريكا”، ورفع أسعار الفائدة إلى مستويات كبيرة، مؤكدًا أن إدارته خفضت التضخم إلى أدنى مستوى في خمس سنوات، وقلصته خلال ثلاثة أشهر إلى 1.7%، إلى جانب خفض أسعار البنزين والعقارات، معتبرًا أن الاقتصاد يتقدم وأن التضخم تم القضاء عليه، في قراءة تعكس ثقة عالية بالمسار الحالي، لكنها تبقى محل نقاش بين خبراء الاقتصاد.
الهجرة والحدود
في ملف الهجرة، قال ترامب إنه لم يدخل البلاد أي مهاجر بطريقة غير شرعية طوال تسعة أشهر، مؤكدًا أن الحدود أصبحت مؤمنة بالكامل، وأن الفوضى والجريمة تم القضاء عليهما خلال عام واحد، وأن أمريكا “أصبحت أكبر بكثير مما كانت عليه من قبل”. هذه الصياغة تختزل رؤيته للسيادة بوصفها سيطرة صارمة على الحدود، وتقدم ملف الهجرة كدليل على فعالية نهجه التنفيذي.
بهذا الخطاب المطوّل، رسم ترامب ملامح مرحلة سياسية يسعى فيها إلى تثبيت معادلة تقوم على القوة العسكرية، والضغط الاقتصادي، والتشدد الحدودي، مقابل وعود بالازدهار والاستقرار الداخلي. وبين الأرقام المعلنة والوعود السياسية، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة هذه الرؤية على الصمود أمام تعقيدات الداخل الأمريكي وتحولات النظام الدولي.










