4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

حين يتحوّل الغذاء إلى سلاح: معيقات الاحتلال تهدد عمل المطبخ المركزي العالمي في غزة

في ضوء ما جرى تداوله خلال الساعات الأخيرة بشأن إعلان المطبخ المركزي العالمي (World Central Kitchen) عزمه التوقف عن العمل في قطاع غزة خلال الأيام المقبلة

بقلم: سماح عثمان
٢٥ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
22 مشاهدة
المطبخ المركزي العالمي في غزة

المطبخ المركزي العالمي في غزة

في ضوء ما جرى تداوله خلال الساعات الأخيرة بشأن إعلان المطبخ المركزي العالمي (World Central Kitchen) عزمه التوقف عن العمل في قطاع غزة خلال الأيام المقبلة، تصاعدت حالة من القلق المشروع بين المواطنين، لا سيما في ظل اعتماد آلاف الأسر يوميًا على الوجبات التي يوفرها في ظل حرب إبادة مستمرة منذ أكتوبر 2023. هذه المخاوف لا تنفصل عن واقع إنساني هشّ، تعمّق بفعل المجازر الواسعة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بدعم أمريكي مباشر، والتي دفعت المجتمع الغزي إلى حافة الانهيار الغذائي والصحي.

وبعد المتابعة والتواصل مع الجهات ذات العلاقة، تبيّن أن قرار التوقف المحتمل لا يرتبط بعوامل داخلية تخص المؤسسة، بل يأتي في سياق معيقات ميدانية جسيمة فرضها الاحتلال الإسرائيلي على آلية إدخال المساعدات. هذه المعيقات لم تعد تفصيلًا إداريًا، بل تحوّلت إلى أداة ضغط مباشر على منظومة الإغاثة، في مشهد يعكس كيف يمكن للاحتلال أن يستخدم التحكم في الإمدادات كسلاح غير معلن في حربه المفتوحة على السكان المدنيين.

تقليص الشاحنات

السبب الأول الذي يقف خلف الأزمة يتمثل في تقليص عدد الشاحنات المخصصة لإدخال المواد التموينية من 25 شاحنة يوميًا إلى 5 شاحنات فقط. هذا التخفيض الحاد لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً لوجستيًا عابرًا، بل هو قرار ذو أثر تدميري مباشر على القدرة التشغيلية للمطبخ، إذ إن سلاسل الإمداد الغذائية تعتمد على تدفق مستمر ومنتظم للمواد الخام، وأي انقطاع أو تقليص بهذا الحجم يؤدي إلى شلل تدريجي في الإنتاج.

وقد انعكس هذا التقليص فعليًا على حجم الوجبات اليومية التي يتم إعدادها وتوزيعها، ما يهدد بحرمان آلاف المواطنين من مصدر غذائهم الأساسي. في سياق يشهد انهيارًا واسعًا في الأسواق المحلية نتيجة الاستهداف الممنهج للبنية التحتية والقيود المفروضة على إدخال السلع، يصبح أي تقليص في المساعدات الإنسانية بمثابة دفع إضافي نحو المجاعة، ويكشف زيف الادعاءات الإسرائيلية بشأن تسهيل دخول الإغاثة.

ضغوط تغيير الإمداد

السبب الثاني الذي ثبت بعد التحقق، يتمثل في وجود ضغوط تُمارَس على المطبخ من أجل شراء المواد الخام من داخل إسرائيل، بعدما كانت الإمدادات تصل عبر شحنات قادمة من مصر. هذا التحول القسري في مصدر التوريد لا يغيّر فقط طبيعة الإمداد الإنساني، بل يرفع كلفته بشكل كبير، ويضع عراقيل مالية وإجرائية أمام استمرار العمل وفق الآليات السابقة.

إن إجبار المؤسسات الإغاثية في غزة على التعامل مع السوق الإسرائيلية، في ظل حرب يقودها الاحتلال نفسه، يطرح تساؤلات أخلاقية وقانونية عميقة حول تحويل المساعدات إلى مسار خاضع لهيمنة الطرف المعتدي. كما أن هذا الإجراء ينسف مبدأ الحياد الإنساني، ويحوّل الإغاثة من جهد مستقل يهدف لإنقاذ الأرواح إلى مسار مقيد بشروط الاحتلال، بما يعمّق التبعية ويقوّض الاستقلالية التشغيلية للجهات العاملة في الميدان.

 

قطاع غزة وأزمة متفاقمة

إن قطاع غزة يقف أمام مؤشرات أزمة إنسانية متفاقمة في حال استمرار القيود المفروضة على تدفق المساعدات، خصوصًا في ظل الدمار الواسع الذي طال المستشفيات ومرافق المياه والبنية التحتية الغذائية منذ أكتوبر 2023. ووفق مبادئ القانون الدولي الإنساني، فإن القوة القائمة بالاحتلال تتحمل مسؤولية قانونية مباشرة عن ضمان وصول الإمدادات الأساسية إلى السكان المدنيين، وعدم عرقلة عمل المنظمات الإنسانية.

بناءً على ما سبق، فإن مسؤولية منع تفاقم هذه الأزمة لا تقع على عاتق المؤسسات الإغاثية التي تكافح في ظروف شبه مستحيلة بقطاع غزة، بل على الاحتلال الذي يقيّد الإمدادات ويعيد هندسة مساراتها بما يخدم اعتبارات سياسية وأمنية على حساب حياة المدنيين. إن التعامل المهني والمسؤول مع هذا الملف يقتضي تسليط الضوء على جوهر المشكلة: القيود المفروضة على إدخال المساعدات، بوصفها العامل الحاسم الذي يهدد بتحويل التحذيرات الإنسانية إلى واقع كارثي جديد في غزة.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

حين يتحوّل الغذاء إلى سلاح: معيقات الاحتلال تهدد عمل المطبخ المركزي العالمي في غزة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°