يواجه المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس المحتلة فصلاً جديداً وشديد الخطورة من فصول التصعيد الإسرائيلي الممنهج، حيث شهدت باحاته صباح اليوم الأربعاء اقتحاماً نفذه 110 مستوطنين عبر باب المغاربة، بحماية عسكرية مشددة فرضتها شرطة الاحتلال.
إن هذا الاقتحام ليس مجرد حادث عابر، بل هو جزء من سياق تصاعدي متواصل خلال شهر فبراير الجاري، يهدف بوضوح إلى تغيير الواقع التاريخي والقانوني والسياسي للمقدسات الإسلامية.
وتتزامن هذه الإجراءات مع تحويل البلدة القديمة إلى ثكنة عسكرية مغلقة، حيث يتم احتجاز هويات المصلين وتأمين مسارات خاصة للمقتحمين لأداء طقوس تلمودية في الجهة الشرقية من المسجد، في محاولة لترسيخ سياسة "التقسيم الزماني والمكاني" وفرض التواجد اليهودي كأمر واقع دائم، وهو ما يضع المنطقة بأكملها على صفيح ساخن، خاصة مع اقتراب شهر رمضان المبارك الذي يمثل ذروة الحضور الشعبي الفلسطيني في المسجد.
تغول أمني.. حصار المصلين وإبعاد القيادات الدينية
لا يكتفي الاحتلال بتأمين اقتحامات المستوطنين، بل يتبع سياسة "تفريغ المسجد" من عماره الأصليين عبر سلسلة من القرارات الأمنية الجائرة التي طالت الرموز الدينية والمقدسية.
وقد سجلت محافظة القدس منذ مطلع عام 2026 أكثر من 300 قرار إبعاد عن الأقصى، استهدفت بشكل مباشر حراس المسجد والقيادات الدينية والنشطاء، في محاولة لكسر إرادة الصمود وإضعاف الرقابة الفلسطينية على ما يدور داخل الباحات.
وتترافق هذه الإبعادات مع استدعاء مسؤولين في دائرة الأوقاف الإسلامية للتحقيق، مما يمثل ضربة قاصمة لـ "الوضع القائم" الذي يمنح الأوقاف وحدها صلاحية الإشراف الإداري على المسجد، وهو ما يعكس رغبة الاحتلال في نزع الشرعية عن الوصاية الإسلامية واستبدالها بسيطرة أمنية إسرائيلية مطلقة تتحكم في من يدخل ومن يخرج من أقدس البقاع الإسلامية في فلسطين.
سيناريو رمضان.. قيود عمرية وتمديد لساعات الاقتحام
مع حلول شهر رمضان الفضيل، كشفت سلطات الاحتلال عن مخططات تصعيدية وصفتها محافظة القدس بـ "الخطيرة"، حيث قرر الاحتلال تمديد فترة اقتحامات المستوطنين ساعة إضافية يومياً خلال الشهر المبارك، في تحدٍ سافر لمشاعر ملايين المسلمين.
ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، بل فرضت سلطات الاحتلال قيوداً عمرية مشددة تمنع الرجال دون سن 55 عاماً والنساء دون سن 50 عاماً القادمين من الضفة الغربية من الوصول إلى المسجد، مع تحديد سقف لا يتجاوز 10 آلاف مصلٍ فقط في أيام الجمعة.
هذه القيود تهدف بوضوح إلى تقليص الحشود ومنع تحول الأقصى إلى مركز للرباط الشعبي، وهي تتزامن مع إجراءات قمعية أخرى تشمل منع إدخال وجبات الإفطار للصائمين ومنع مستلزمات التنظيف والعيادات المتنقلة، مما يحول المسجد إلى ساحة مواجهة أمنية ويحرم المصلين من أبسط حقوقهم في ممارسة شعائرهم الدينية بأمن وسلام.
الأبعاد القانونية.. خرق المواثيق الدولية وقرارات اليونسكو
تمثل هذه الممارسات الإسرائيلية خرقاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تحظر على القوة القائمة بالاحتلال تغيير المعالم الثقافية والدينية في الأراضي المحتلة.
إن إصرار الاحتلال على فرض وقائع جديدة في الأقصى يتصادم مباشرة مع قرارات منظمة "اليونسكو" التي أكدت مراراً على إسلامية المسجد الأقصى بجميع مرافقه، ورفضت المحاولات الإسرائيلية لصبغ المدينة بطابع يهودي وحيد.
إن ما يحدث اليوم في القدس هو عملية "هندسة مكانية" تهدف إلى طمس الهوية العربية والإسلامية للمدينة، واستغلال الصمت الدولي لتمرير مشاريع تهويدية كبرى تبدأ من فوق الأرض عبر الاقتحامات، وتمتد إلى تحتها عبر الحفريات، مما يهدد الأساسات البنيوية للمسجد ويجعل من الدفاع عن الأقصى قضية قانونية دولية بقدر ما هي قضية دينية ووطنية.










