تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تصعيدها الميداني الشامل في مختلف مدن وبلدات الضفة الغربية المحتلة، حيث شنت يوم الأربعاء حملة مداهمات واقتحامات واسعة أسفرت عن اعتقال 18 فلسطينياً، بينهم فتية وشبان يعانون من إصابات سابقة، وفق ما أفاد به مكتب إعلام الأسرى.
إن هذه الحملة، التي تخللها عبث بمحتويات المنازل وترهيب الساكنين، تأتي في سياق سياسة أمنية تهدف إلى ضرب البنية الاجتماعية والسياسية للفلسطينيين، وتتزامن مع تحركات عسكرية برية وجوية مكثفة تعيد رسم مشهد الصراع في الضفة.
ولا تقتصر هذه الإجراءات على الاعتقال فحسب، بل تمتد لتشمل تدميراً ممنهجاً للبنى التحتية والمباني السكنية، في محاولة لفرض واقع جديد يضيق الخناق على المواطنين ويدفعهم نحو خيارات صعبة، وسط صمت دولي يغذي غطرسة القوة ويتجاوز كافة الخطوط الحمراء التي وضعتها اتفاقيات جنيف لحماية المدنيين تحت الاحتلال.
نابلس.. عمليات جراحية عسكرية وحصار في عمق المخيمات
شهدت مدينة نابلس، وتحديداً مخيم بلاطة، تطوراً ميدانياً لافتاً بتسلل قوة إسرائيلية خاصة إلى قلب المخيم، تلاها دفع بتعزيزات عسكرية ضخمة عبر حاجز حوارة وشارع القدس لتأمين العملية العسكرية.
وقد ترافق الاقتحام مع تحليق مكثف للطائرات المسيّرة فوق أسطح المنازل، وسماع دوي انفجارات ناتجة عن تفجير مداخل المباني لتسهيل حركة جنود الاحتلال، الذين فرضوا حصاراً مشدداً على أحد المنازل في حي السوق قبل اعتقال أحد الشبان والانسحاب تحت غطاء ناري كثيف.
إن استهداف المخيمات في الضفة يعكس خشية الاحتلال من تنامي الروح النضالية داخل هذه التجمعات المكتظة، كما تظهر المقاطع المتداولة لاعتقال شاب يسير على عكازات نتيجة إصابة سابقة مدى وحشية الإجراءات التي لا تراعي الحالات الإنسانية أو الصحية للمعتقلين، مما يؤكد أن الهدف هو الانتقام الجماعي وإيصال رسالة تهديد دائمة لكل من يفكر في مقاومة الاحتلال.
اعتداءات المستوطنين وجرائم الهدم.. حرب على الوجود الفلسطيني
في سياق متصل، لم تتوقف اعتداءات المستوطنين عند حدود المناوشات، بل تحولت إلى هجمات منظمة استهدفت قرية سوسيا في مسافر يطا جنوب الخليل، حيث أعلن الهلال الأحمر الفلسطيني عن إصابة أربعة مواطنين بحالات اختناق جراء إحراق المساكن والمركبات.
هذه الاعتداءات التي تتم تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال تهدف إلى تفريغ المناطق الرعوية والزراعية من سكانها الأصليين لصالح التوسع الاستيطاني.
وبالتوازي مع ذلك، تواصل الجرافات العسكرية عمليات الهدم في دير بلوط بسلفيت وقرية عنزا جنوب جنين، حيث تم تدمير مبانٍ سكنية ومقاهٍ بزعم البناء دون ترخيص، وهي الذريعة التي يستخدمها الاحتلال لتنفيذ مخططات التهويد.
إن إغلاق الشوارع الرئيسية وإعاقة حركة المرور بين القرى والمدن يحول الضفة إلى سجن كبير مقطع الأوصال، مما يعمق الأزمة الإنسانية ويزيد من كلفة العيش الكريم للفلسطينيين على أرضهم التاريخية.
تعكس المعطيات الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حجم التصعيد غير المسبوق؛ حيث نفذت سلطات الاحتلال خلال شهر يناير الماضي فقط 59 عملية هدم طالت 126 منشأة، من بينها 77 منزلاً مأهولاً بالسكان، مما ترك مئات العائلات بلا مأوى في ظل ظروف جوية قاسية.
ومنذ أكتوبر 2023، ارتفعت حصيلة الضحايا في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية إلى 1117 شهيداً ونحو 11 ألفاً و500 مصاب، فيما تجاوز عدد المعتقلين حاجز الـ 22 ألف معتقل، وهي أرقام تفوق قدرة المؤسسات الحقوقية على المتابعة الدقيقة وتؤكد أن الضفة تعيش حرباً صامتة لا تقل ضراوة عما يحدث في غزة.
إن هذا النزيف المستمر يضع المجتمع الدولي والأمم المتحدة أمام اختبار حقيقي، حيث يجمع العالم على عدم قانونية الاستيطان واعتبار الضفة أراضٍ محتلة، ومع ذلك تستمر إسرائيل في ضرب عرض الحائط بكل هذه القرارات والمواثيق الدولية.










