مرّ نحو شهر ونصف منذ وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتظاهرين في إيران قائلاً: «استمروا في الاحتجاج. المساعدة قادمة». ومنذ ذلك التصريح، دخلت المنطقة مرحلة استنفار ثقيل الكلفة؛ رفعت أمريكا مستوى الجاهزية العسكرية إلى الحد الأقصى، بينما وضعت إسرائيل نفسها في حالة ترقّب دائم لهجوم إيراني أعلنت طهران أنه سيطال أراضيها ردًّا على أي ضربة أميركية محتملة.
وقال حجاي عميت في مقال بصحيفة هآرتس خلال هذه الأسابيع الستة، لم يكن المشهد سياسياً فقط، بل مالياً أيضاً. فحالة الانتظار نفسها تحوّلت إلى استنزاف مباشر للموازنات العسكرية، أولاً في أمريكا التي دفعت الثمن الأكبر، ثم في إسرائيل التي وجدت نفسها عالقة بين الاستعداد الدائم وعدم اليقين الكامل.
فاتورة الأساطيل
بالنسبة للأميركيين، تُقدَّر تكلفة التشغيل اليومية لحاملة طائرات واحدة بنحو عشرة ملايين دولار تقريباً. وعندما يتعلق الأمر بصيانة حاملتي طائرات وعشرات السفن المرافقة – من مدمرات وسفن إنزال – فإن الرقم يرتفع إلى عشرات ملايين الدولارات يومياً، وفق تقديرات عسكرية منشورة في الإعلام العبري.
هذا يعني أن شهرًا ونصف من الجاهزية البحرية المكثفة يراكم فاتورة تتجاوز المليار دولار. وهو رقم لا يشمل فقط الوقود والذخيرة، بل رواتب آلاف الجنود، وكلفة الطلعات الجوية التدريبية، وصيانة الأنظمة الإلكترونية المعقدة التي لا يمكن إيقافها ببساطة ثم إعادة تشغيلها دون أثمان إضافية.
ضغط على ترامب
العميد احتياط ران كوخاف، قائد منظومة الدفاع الجوي بين 2018 و2021، قال إن «الانتظار مكلف جداً، وله تبعات اقتصادية جسيمة حتى على القوة العظمى الأميركية»، مضيفاً أن شكاوى بدأت تُسمع بالفعل بشأن ظروف خدمة الجنود الذين يمكثون فترات طويلة على متن السفن.
وتقدَّر النفقات الأميركية خلال الأسابيع الأخيرة بأكثر من مليار دولار، وهو رقم يجعل من الصعب على ترامب سحب القوات من دون تحقيق مكسب ملموس، سواء عبر تنفيذ هجوم أو انتزاع اتفاق سياسي. فبعد هذا الاستثمار المالي والعسكري، يصبح التراجع بلا مقابل إشارة ضعف مكلفة سياسياً بقدر كلفتها مالياً.
حاملة فورد
بني يونغمان، رئيس شركة «تي.اس.جي» المطوّرة لأنظمة إدارة الدفاع الجوي لوزارة الدفاع الإسرائيلية، أوضح أن الأميركيين وصلوا بقوات كبيرة قادرة على الدفاع عن نفسها ومساندة إسرائيل أيضاً. وعلى متن حاملة الطائرات جيرالد فورد وحدها يوجد نحو خمسة آلاف عسكري يتقاضون رواتبهم كاملة، فيما تختلف كلفة تشغيلها في عرض البحر جذرياً عن وجودها راسية في القاعدة.
يضاف إلى ذلك ساعات إقلاع الطائرات، والتدريبات المتواصلة، واستهلاك الأنظمة الإلكترونية والرادارية. فالجاهزية البحرية ليست مجرد تموضع عسكري، بل عملية تشغيل مستمرة تُراكم المصاريف يومياً، حتى لو لم تُطلق رصاصة واحدة.
حسابات إسرائيل
في إسرائيل، تستعد المؤسسة الأمنية لطلب زيادات في الميزانية لتغطية فترة الاستعداد. ورغم أن الكلفة التقنية لتشغيل الرادارات وأنظمة القيادة والسيطرة ونشر الصواريخ لا تتغير جذرياً مع رفع مستوى التأهب، فإن ما يتبدل فعلياً هو كلفة القوى البشرية واستهلاك الأنظمة.
كوخاف يشير إلى اختلاف جوهري بين الوضع الحالي وعملية «شعب كالأسد»، حيث بادرت إسرائيل آنذاك إلى المواجهة وكانت تعرف إلى حد كبير طبيعة التهديد ومسارات الصواريخ. أما الآن، فالمعضلة تكمن في أن توقيت الضربة المحتملة مجهول، ما يفرض حالة تشغيل مفتوحة زمنياً، وهي الحالة الأكثر استنزافاً.
تحديات الشتاء
بحسب كوخاف، فإن أحد الفروق المهمة يتمثل في غياب عنصر المفاجأة حالياً، إضافة إلى احتمال انخراط أطراف مثل «حزب الله» والحوثيين. كما أن فصل الشتاء يزيد صعوبة عمل وسائل المراقبة، ما يفرض تشغيل الأنظمة بأقصى طاقتها لفترات أطول.
وهناك تحدٍ تقني وهندسي يتعلق باستمرارية عمل المعدات. فمولدات منصات الإطلاق لا يمكن افتراض أنها ستعمل دون توقف لسنوات. وحتى السيارات المدنية تخضع لصيانة دورية، بينما تعمل رادارات الجيش الإسرائيلي بطاقتها الكاملة منذ أكثر من ألف يوم، وفق تعبيره.
احتياط صامت
الاستعدادات لمواجهة إيران لا تحظى باهتمام واسع في الرأي العام الإسرائيلي من زاوية عدد جنود الاحتياط المجنّدين، ربما لأنها لا تترافق مع إرسال قوات إلى غزة أو تعريضهم لخطر مباشر. ومع ذلك، جرى استدعاء آلاف الجنود من طواقم الطيران والاستخبارات ووحدات تشغيل منظومات الدفاع الجوي، وهم يتقاضون رواتبهم طوال فترة الاستنفار.
يونغمان يوضح أن الجاهزية تعني انتشاراً كاملاً للقوات والبطاريات في المواقع والقواعد كافة، وأن الأنظمة العاملة تحتاج إلى صيانة ودعم لوجستي مستمر يشمل الغذاء والوقود وقطع الغيار. ورغم أن هذه البنود لا تصل وحدها إلى مليارات الشواكل، فإن كلفة تشغيل الطائرات، والتدريبات، وتمارين الطواقم، وأفراد التسليح ترفع الفاتورة إلى مليارات الشواكل، وهي الجاهزية نفسها التي كانت قائمة خلال عملية «شعب كالأسد» قبل تخفيف القيود ثم تشديدها مجدداً في الأشهر الأخيرة.
ثمن الضربة المحتملة
يتفق الخبراء على أن فترة الاستعداد مكلفة، لكنهم يختلفون بشأن كلفة أي هجوم إيراني محتمل إذا أقدمت أمريكا على تنفيذه. ففي الهجمات الإيرانية السابقة، بلغت كلفة ليلة واحدة من الدفاع الجوي – شملت التصدي لمئات الصواريخ والطائرات المسيّرة – نحو مليار دولار أميركي.
ويرى يونغمان أن الإيرانيين يمتلكون حالياً أقل من نصف عدد الصواريخ ومنصات الإطلاق التي كانت لديهم قبل عملية «شعب كالأسد» في يونيو، ما يحدّ من قدرتهم على تنفيذ وابل مكثف كما في السابق. لكنه يشير أيضاً إلى أن أي مواجهة جديدة لن تقتصر نظرياً على إسرائيل، بل ستطال القوات والقواعد والسفن الأميركية في المنطقة، ما يعني توزيع القوة النارية الإيرانية على عدد أكبر من الأهداف.
بهذا المعنى، لا تكمن خطورة المرحلة في احتمال الحرب وحده، بل في كلفة انتظارها. فحين تتحول الجاهزية إلى وضع دائم، تصبح الموازنات العسكرية رهينة الترقّب، ويغدو القرار السياسي محكوماً بحسابات مالية بقدر ما هو محكوم بحسابات الردع.










