مثّل إيداع العراق لخرائط حدوده البحرية لدى الأمم المتحدة خطوة هامة في مسار ممارسة سيادته البحرية، فهذا الإجراء ليس إجراءاً تقنيا معزولا عن سياقه، بل هو تعبير سياسي هادئ عن تحول في منهج إدارة الدولة لملفاتها السيادية، لأن الدول لا تذهب إلى المؤسسات الدولية بحثا عن رمزية شكلية، بل حين تقرر أن تجعل القانون إطارا ضامنا لمصالحها، بنقل نزاعاتها من احتمالات الصدام إلى مساحات الاعتراف الدولي.
الملف البحري العراقي ورث مشاكل كبيرة عبر تاريخ معقد تداخلت فيه أسباب شتى. وبين الجغرافيا والسياسة، والقرارات الدولية بحسابات الإقليم القلق من قدرات العراق، باتت إطلالته البحرية محل تهديد حقيقي. لكن العبرة اليوم ليست في استعادة تفاصيل ذلك المسار، بل في فهم دلالته الراهنة، حيث يعاني الوطن بمنفذه البحري المحدود وحساسية موقعه في الخليج من سياسة جائرة، يراد لها أن تخنقه وتجعله رهنا بإرادة الآخرين. لذا، علينا أن ندرك أن أي إدارة غير منضبطة لهذا الملف قد تتحول إلى مصدر توتر دائم، وأن تثبيت الإحداثيات في الإطار الدولي يمنح الدولة سندا قانونيا يحمي مصالحنا الوطنية في الموانئ والطاقة والملاحة.
انطلاقا من هذا الفهم، فإن المسألة في جوهرها ليست خطوطا ترسم على الخرائط، بل في كيفية تحويل هذه الخطوط إلى ضمانات معترف بها تقود للاستقرار الاقتصادي والسياسي أيضا.
فميناء الفاو ومشاريع الربط التجاري كطريق التنمية، لا يمكن أن تزدهر في بيئة ملتبسة قانونيا، ولا يمكن تسيير أمور البلاد بلا منافذ بحرية ضمن بيئة مستقرة. والسبب أن التجارة والاستثمار -بطبيعتهما- يزدهران بوضوح السيادة، لا مع ضبابية النزاعات وكثرة التهديدات. ومن هنا يصبح توثيق الحدود خطوة في سياق بناء بيئة آمنة للتنمية، لا تنازلاً عن حق ينبغي أن يكون راسخا برسوخ القوانين التي تكفله.
ورغم أحقية وعدالة المطالبات الوطنية، لكن خطاب البعض الشعبوي الذي يتغذى على الشك والانفعال، بات يختزل المشهد لتبدو الساحة أشبه بمسرح للخطب الرنانة والعنتريات الفارغة. فهناك من يمضي ويغذي سردية المؤامرة، ويزايد دون وعي على الرؤية الوطنية التي تؤمن باسترجاع للحقوق بعد تأصيل الرواية العراقية من خلال القنوات الدولية القانونية، التي تجبر الآخر على الاعتراف، ودون تجاهل لحقيقة بسيطة مفادها أن السيادة لا تبسط بالشعارات، وأن الحدود تثبت بالوثائق والاتفاقات والقدرة على تحويل الموقع إلى قوة وقدرة.
نعم، الخطاب الشعبوي قد يمنح لحظة تصفيق حار، لكنه لا يبني للعراقيين رصيفا بحريا ولا يؤمن ممرا ملاحيا ولا يجذب شركات ودول تربط مصالحها مع بلادنا.
إذن، الحاجة للاعتراف يبدأ وينتهي بالمسار القانوني. ومن هنا، يجب المضي به حتى النهاية؛ لأنه المسار الأضمن، وإن كان أقل ضجيجا. والخروج عنه لا يعيد الحقوق، بل يفتح أبواب عزلة جديدة يرفضها العراقيون، وهم ينظرون للمستقبل بالكثير من التفاؤل والأمل. فخطوات بناء وتحصين الدولة واستعادة حقوقها محكوم بالإرادة الوطنية الصادقة، بعيدا عن ما يضمر أصحاب النوايا السيئة ممن يحاولون إفشال كل جهد صادق.
وقد أثبت هؤلاء على الدوام أنهم السبب في خراب العلاقات العراقية مع بلدان الجوار، وتجاهلوا -بدوافع الغرور والغطرسة- الحلول القانونية والودية التي ينتجها الحوار والقنوات الرسمية الهادئة. فممارسة السيادة لاتتأتى من العدوان، سيما وأن الخرائط والوثائق والاتفاقيات تتيح للعراق أن يخرج للفضاء البحري متجاوزا محاولات الخنق والتضييق التي فرضت عليه إبان فترة الحكم الصدامي، التي لم يحصد منها سوى العزلة الدولية بسبب سياسته العدوانية، والتي كانت تمثل مرحلة الخسائر الأعظم والتدهور الشامل الذي أعاد البلاد لفصول الوصاية الدولية ومنح الآخرين الفرصة للتمدد على حساب الأرض والإطلالة البحرية العراقية.. فهل من متعظ؟!









