كشف الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، عزات جمال، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، عن وجود حالة من "الخداع والتضليل المقصود" فيما يتعلق بآلية العمل في معبر رفح البري.
وأوضح جمال أن الصورة التي يتم تصديرها إعلامياً توحي بتحقيق انفراجة تلبّي طموحات الغزيين وترنو إليها القاهرة عبر فتح المعبر في الاتجاهين، إلا أن الواقع العملي المستند إلى الأرقام والبيانات يكشف زيف هذه الادعاءات فبدلاً من أن يكون المعبر شريان حياة، تحول إلى أداة لإدارة عملية منع وتعطيل ممنهج للمغادرين، فضلاً عن كونه ساحة لممارسة أساليب الإذلال والابتزاز والترهيب بحق العائدين إلى القطاع، مما يجعل الخطوة أقرب إلى "إدارة الأزمة" منها إلى حلها.
ويشير المحلل السياسي إلى أن الاحتلال الإسرائيلي استطاع من خلال هذه المناورة المحسوبة أن يتحرر من الضغوط الدولية المتزايدة، عبر إيهام العالم بوجود تسهيلات على الأرض، بينما تبقى المعاناة الإنسانية في جوهرها مستمرة دون تغيير حقيقي وإن هذا الوضع المتردي يمثل مخالفة صريحة لكل ما تم الاتفاق عليه في التفاهمات السابقة، حيث يسعى الاحتلال لإبقاء المشهد تحت سيطرته الكاملة، مستخدماً المعبر كورقة ضغط سياسية وإنسانية للحفاظ على حالة عدم الاستقرار في القطاع، وهو ما ينعكس بثقله على حياة ملايين الفلسطينيين المحاصرين الذين يواجهون واقعاً إنسانياً يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.
أطماع التوسع وضغط النيران
يتعمق عزات جمال في تحليل الدوافع الإسرائيلية، مؤكداً أن الاحتلال لا يسعى فقط لتحسين شروطه التفاوضية عبر سياسة "الضغط بالنيران"، بل يهدف بالأساس إلى تهيئة الظروف الميدانية لخلق واقع جديد يخدم أطماعه التوسعية على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية.
ويرى جمال أن الاحتلال يعتبر استمرار حالة الفوضى والتعطيل في المعابر وسيلة لإنهاك الحاضنة الشعبية وتدمير الروح المعنوية للمواطن الفلسطيني.
وفي هذا السياق، تبرز قضية إعادة الإعمار كساحة صراع رئيسية، حيث يراها الاحتلال "النقيض العملي" لمشروعه الأساسي المتمثل في التهجير القسري؛ ولذلك يعمل بكل طاقته لإحباط أي جهد حقيقي لإعادة البناء، مستخدماً العقبات الإدارية والتقييد الأمني لمنع الاستقرار ودفع السكان نحو اليأس والرحيل عن أرضهم.
وفي مواجهة هذه المشاريع، يشدد جمال في تصريحات خاصة لموقع 180 تحقيقات على أن نشر مراقبين دوليين أو قوات أممية يمثل ضرورة ملحة لتضييق مساحة المناورة أمام جيش الاحتلال، وتقييد يده عن ممارسة البطش والعدوان الممنهج وهذا التوجه هو ما يفسر الرفض الإسرائيلي القاطع والتشكيك المستمر في أي دور دولي رقابي، حيث يعتمد الاحتلال في عرقلة هذه القرارات الأممية على الدعم الأمريكي غير المحدود الذي يوفر له الغطاء السياسي اللازم للاستمرار في إجراءاته الأحادية. إن وجود رقابة دولية حقيقية من شأنه أن يكشف حجم الانتهاكات التي تجري بعيداً عن الأعين في مناطق التماس والمعابر، وهو ما يخشاه الاحتلال الذي يفضل العمل في بيئة تفتقر إلى المساءلة القانونية والدولية.
الدور المصري والأمن القومي
أما عن الدور العربي والإقليمي، فقد أكد عزات جمال أن جمهورية مصر العربية تمتلك أوراق قوة متعددة واستراتيجية، استناداً إلى ثقلها التاريخي وموقعها الجغرافي كدولة جوار مباشرة.
ويرى جمال أن القاهرة قادرة على ممارسة ضغوط حقيقية وفعالة لتحسين واقع العمل في معبر رفح، وتفعيل الملفات الإنسانية الملحة التي شملها اتفاق وقف إطلاق النار.
ويشدد على أن إفشال المساعي التوسعية الإسرائيلية وضمان تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني ليس مجرد واجب قومي فحسب، بل هو ضرورة حتمية لحماية "الأمن القومي المصري"؛ فاستقرار قطاع غزة ومنع تهجير سكانه يمثلان حائط صد أمام المشاريع التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار.
ويحذر المحلل السياسي من أن غياب الانفراجة الحقيقية في عمل المعابر، واستمرار الإدارة الهشة للصراع، سيجعل فرص انفجار الأوضاع وتجدد التصعيد مرتفعة وحاضرة بقوة في أي لحظة. إن الاستقرار طويل الأمد لا يمكن أن يتحقق في ظل سياسات الخداع والتنصل من الالتزامات، بل يتطلب ضغطاً حقيقياً من مصر والوسطاء الدوليين لإجبار الاحتلال على فتح المعابر بشكل كامل ودائم وبدون ذلك، سيبقى قطاع غزة ساحة مفتوحة لتجارب الضغط الإسرائيلية، وسيبقى المواطن الفلسطيني يدفع ثمن التجاذبات السياسية من أمنه واستقراره وحقه في العيش بكرامة على أرض وطنه.









