4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

هل ينجح "مجلس السلام" في تحييد اقتصاد غزة عن التجاذبات السياسية؟

وأكد أبو مدلله في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات" أن أولويات التعافي ليست مسارات متعارضة، بل هي حلقات متكاملة تتبع منطق "التعافي المرحلي"

بقلم: خاص_ 180 تحقيقات
٢٦ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
11 مشاهدة
الدكتور سمير مصطفى أبو مدلله

الدكتور سمير مصطفى أبو مدلله

في قراءة تحليلية لواقع الاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة، استعرض الدكتور سمير مصطفى أبو مدللة ، المحاضر في جامعة الأزهر بغزة وعضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، رؤية استراتيجية متكاملة لعملية التعافي الاقتصادي المنشودة. 

وأكد أبو مدلله في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات" أن أولويات التعافي ليست مسارات متعارضة، بل هي حلقات متكاملة تتبع منطق "التعافي المرحلي" الذي يبدأ بالضرورات القصوى وينتهي بالاستقرار المستدام. 

وتتصدر هذه الأولويات عملية إصلاح البنية التحتية بشكل فوري، بما يشمل شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق والمستشفيات، إذ لا يمكن تصور انطلاق أي نشاط إنتاجي أو تجاري دون قاعدة أساسية صالحة للعمل، فالبنية التحتية هي الحجر الزاوية الذي ستقوم عليه كافة جهود إعادة الإعمار والتنمية في المرحلة المقبلة.

وتأتي عملية إعادة الإعمار في المرتبة الثانية كأولوية إنسانية واقتصادية مزدوجة، فهي لا تقتصر على توفير السكن لمن فقدوا منازلهم فحسب، بل تمثل المحرك الأساسي للدورة الاقتصادية المحلية عبر خلق آلاف فرص العمل وتنشيط قطاعات المقاولات والصناعات الإنشائية. 

وبالتوازي مع ذلك، يشدد الدكتور سمير مصطفى أبو مدللة في تصريحات خاصة لموقع  180 تحقيقات على ضرورة دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الغزي، خاصة بعد تعرض القطاع الصناعي الكبير لتدمير واسع؛ إذ يساهم تمويل هذه المشاريع في توليد دخل سريع للأسر وتقليل الاعتماد على المساعدات الإغاثية. أما الهدف الاستراتيجي الأبعد فيتمثل في معالجة أزمة البطالة المتجذرة، من خلال برامج تشغيل مؤقتة في مشاريع الإعمار، وتكثيف التدريب المهني، وفتح آفاق حقيقية لتصدير المنتجات والخدمات للخارج لتجاوز تبعات الحصار الطويل.

مصادر التمويل والشفافية

حول معضلة التمويل، يوضح الدكتور سمير أبو مدلله أن العملية تتطلب تضافر جهود دولية وإقليمية متعددة المصادر، حيث لا يمكن لجهة واحدة تحمل فاتورة الإعمار الضخمة. ويبرز دور المانحين الدوليين، مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ووكالات الأمم المتحدة، كطرف أساسي في التمويل الإنساني، رغم الصبغة السياسية والرقابية التي تغلف منحهم غالباً ، وفي الوقت ذاته، تبرز أهمية الدعم العربي، لاسيما من دول الخليج ومصر والأردن، كدعم يتسم بالفهم العميق لاحتياجات الواقع الفلسطيني وقرب المسافة الجغرافية والسياسية، خاصة في مشاريع الإسكان، كما تلعب المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي دوراً محورياً في تمويل المشاريع الكبرى وتقديم القروض الميسرة، شريطة وجود جهة فلسطينية موحدة تحظى بالثقة الدولية لإدارة هذه الملفات بكفاءة ونزاهة.

ولضمان استدامة هذا التمويل وتدفق الأموال دون عوائق، يطرح أبو مدلله منظومة صارمة لتعزيز الشفافية ومنع الفساد، تبدأ بإنشاء "صندوق وطني لإعادة إعمار غزة" يتمتع باستقلال مالي وإداري كامل، ويخضع لرقابة مزدوجة من جهات فلسطينية مستقلة مثل ديوان الرقابة المالية والإدارية ومؤسسات المجتمع المدني، ومن جهات دولية فنية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومكاتب تدقيق عالمية. إن الهدف من هذا الإشراف الدولي ليس الانتقاص من السيادة، بل طمأنة المانحين وضمان وصول كل دولار إلى مستحقيه الفعليين، ومنع الاحتكار أو المحسوبية في توزيع المشاريع، مما يخلق بيئة استثمارية وتنموية تتسم بالعدالة والنزاهة، وهي الضمانة الوحيدة لاستمرار الدعم الدولي على المدى الطويل.

تحديات الفصل السياسي

وفيما يخص إمكانية الفصل بين البعدين الأمني والاقتصادي، يقر الدكتور أبو مدلله بصعوبة الأمر وتعقيده البالغ في ظل الواقع الحالي. فعلى الرغم من أن النظرية الاقتصادية تتيح هذا الفصل، إلا أن الواقع العملي منذ عام 2007 أثبت تداخل الاقتصاد بالأمن والسياسة بشكل عضوي نتيجة الحصار والانقسام. 

ويرى أن نجاح أي كيان مقترح مثل "مجلس السلام" في إدارة ملفات الإعمار والخدمات بعيداً عن الصراع السياسي مرهون بتوافق وطني فلسطيني حقيقي ووجود غطاء إقليمي يحمي الاقتصاد من أن يظل ورقة ضغط سياسية،  وبدون هذا التوافق، تظل هناك مخاطر حقيقية من تحول الرواتب والمساعدات ومشاريع الإعمار إلى رهينة للتجاذبات السياسية، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تعثر خطط التعافي واستمرار معاناة المواطنين.

يختتم الخبير الاقتصادي رؤيته بالتأكيد على أن التعافي الاقتصادي في غزة ليس مجرد أرقام وحسابات، بل هو ملف سياسي إنساني مركب يتطلب إرادة دولية ومحلية صادقة وإن الانتقال من مرحلة الإغاثة إلى مرحلة التنمية المستدامة يوجب تحييد الاقتصاد عن الصراعات المسلحة والانقسامات الإدارية، وتغليب المصلحة الوطنية العليا لإخراج قطاع غزة من حالة الاستنزاف المرهقة وبدون توفر أولويات واضحة، وتمويل شفاف، وإطار سياسي داعم، ستبقى خطط التعافي مجرد وعود على ورق، وسيظل اقتصاد غزة أسيراً للحصار، يراوح مكانه بعيداً عن مسارات الاستقرار والتنمية والازدهار التي ينشدها الشعب الفلسطيني.

خاص_ 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال