21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الأونروا في غزة: معركة البقاء بين الاستهداف الممنهج وخذلان المجتمع الدولي

وثقت التقارير الميدانية عشرات الحالات التي تعرضت فيها هذه المنشآت للقصف المباشر أو الأضرار الجسيمة نتيجة العمليات العسكرية المستعرة في محيطها.

بقلم: محمد خميس
٢٦ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
12 مشاهدة
الأونروا في غزة

الأونروا في غزة

تتصاعد حدة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة بشكل غير مسبوق، واضعةً مؤسسات الإغاثة الدولية وعلى رأسها وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في مواجهة مباشرة مع آلة الحرب التي لا تفرق بين مدني وعسكري، ولا بين ثكنة ومدرسة تابعة للمنظمة الدولية. 

إن المشهد الحالي يتجاوز كونه مجرد صراع مسلح، بل هو اختبار حقيقي للضمير العالمي وللمواثيق الدولية التي أُقرت لحماية المدنيين في أوقات النزاع، حيث تجد الأونروا نفسها اليوم مكبلة بالاستهداف المباشر لمقراتها وكوادرها، في وقت تزداد فيه الحاجة الماسة لخدماتها الإغاثية والطبية والتعليمية التي تمثل شريان الحياة الوحيد لملايين السكان المحاصرين داخل القطاع المنهك.

ولم تعد شعارات الأمم المتحدة المرفوعة فوق المدارس والمراكز الصحية في غزة توفر الحماية المفترضة لمن احتموا بها، إذ وثقت التقارير الميدانية عشرات الحالات التي تعرضت فيها هذه المنشآت للقصف المباشر أو الأضرار الجسيمة نتيجة العمليات العسكرية المستعرة في محيطها. إن تحويل هذه المراكز التي تؤوي مئات الآلاف من النازحين إلى أهداف عسكرية يمثل خرقًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الرابعة، وهو ما دفع قيادات الأونروا إلى إطلاق نداءات استغاثة متكررة للمجتمع الدولي للتدخل الفوري ووقف هذه التجاوزات التي لا تسفر فقط عن سقوط ضحايا في صفوف المدنيين العزل، بل تؤدي أيضًا إلى شلل شبه كامل في قدرة الوكالة على تقديم المساعدات الغذائية والدوائية الحيوية.

دبلوماسية الإغاثة وضريبة الدم

تحاول وكالة الأونروا من خلال قنواتها الدبلوماسية والسياسية الضغط على القوى الدولية الفاعلة لفرض مناطق آمنة وحماية قانونية فعلية للمدنيين، مستندة إلى تفويضها الأممي ومسؤوليتها الأخلاقية تجاه اللاجئين. غير أن هذه المعركة الدبلوماسية التي تدور في أروقة مجلس الأمن تصطدم بواقع سياسي دولي منقسم، حيث تكتفي بعض الدول ببيانات الإدانة دون اتخاذ إجراءات فعلية على الأرض تلزم الأطراف باحترام حرمة المؤسسات الأممية. 

هذا التجاهل السياسي يترك الأونروا وحيدة في مواجهة كارثة تتسع رقعتها كل ساعة، ويجعل من فكرة "الملاذ الآمن" مجرد وهم في ظل استمرار القصف العنيف الذي لا يستثني أحداً، مما يضع مصداقية المنظومة الدولية برمتها على المحك.

ولا يمكن الحديث عن دور الأونروا دون الإشارة إلى التضحيات البطولية التي يقدمها موظفو الوكالة، الذين يواصلون عملهم تحت خط النار وفي ظروف أمنية بالغة الخطورة، حيث سجلت الأزمة الحالية أكبر حصيلة من الضحايا في صفوف موظفي الأمم المتحدة في تاريخها الحديث. 

هؤلاء العاملون، والذين هم في الغالب من سكان غزة أنفسهم، يواجهون مأساة مزدوجة، فهم ضحايا للنزاع من جهة، ومطالبون بتقديم العون لغيرهم من جهة أخرى، وكثيرًا ما يفقدون أفرادًا من عائلاتهم وهم يؤدون واجبهم الإنساني. إن استهداف الطواقم الإغاثية يهدف بشكل غير مباشر إلى تقويض العملية الإنسانية برمتها، وهو ما ترفضه الأونروا معتبرة بقاءها هو الضمانة الأخيرة لمنع انهيار مجتمعي كامل رغم الثمن الباهظ.

الواقع المرير ومستقبل الإغاثة

يعيش النازحون في مراكز الأيواء التابعة للأونروا ظروفًا تفوق قدرة البشر على التحمل، حيث يكتظ آلاف الأشخاص في مساحات ضيقة تفتقر لأدنى مقومات النظافة والصحة العامة، مما أدى إلى انتشار الأمراض والأوبئة بشكل مخيف بين الأطفال والنساء.

 إن غياب الحماية الدولية لم يقتصر على التهديد الأمني فحسب، بل امتد ليشمل الحرمان من الحقوق الأساسية في الغذاء والماء، حيث تعجز الأونروا عن تلبية احتياجات هذا الكم الهائل من النازحين بسبب الحصار الخانق والقيود المفروضة على دخول الشاحنات الإغاثية عبر المعابر. 

هذا الوضع المأساوي يضع المدنيين أمام خيارات مستحيلة، فإما البقاء تحت القصف أو النزوح المجهول في رحلة بحث يائسة عن مكان يحميهم من الموت المتربص بهم.

يبقى السؤال حول نجاح الأونروا في فرض حماية دولية للمدنيين معلقًا بإرادة المجتمع الدولي وقدرته على ترجمة القوانين إلى واقع ملموس يحمي الأبرياء. 

إن الفشل في تأمين هذه الحماية لا يمثل هزيمة للوكالة وحدها، بل هو انهيار للمنظومة القيمية التي تأسست عليها الأمم المتحدة منذ عقود، وينذر بمستقبل يسود فيه قانون الغاب وتغيب فيه حرمة النفس البشرية.

 إن العالم اليوم مطالب بدعم الأونروا بالموقف السياسي الصلب والمحاسبة الجادة لكل من يتجرأ على استهداف المؤسسات الإغاثية، ليبقى الأمل قائمًا في استعادة الحد الأدنى من الإنسانية في غزة، وضمان عدم استخدام المدنيين كوقود في صراعات لا ذنب لهم فيها.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال