كشفت تسريبات أمريكية متزامنة مع انعقاد مفاوضات جنيف عن توجه تصعيدي خطير من جانب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يتمثل في مطالبة إيران بتفكيك منشآتها النووية وتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، في خطوة تعكس محاولة لفرض اتفاق استسلام استراتيجي طويل الأمد. وبحسب ما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أمريكيين، فإن واشنطن تصر على تفكيك ثلاثة مواقع نووية رئيسية، وفرض ترتيبات تمنع طهران من إعادة بناء برنامجها مستقبلاً.
الأخطر في هذه الطروحات، وفق التسريبات نفسها، هو الإصرار الأمريكي على أن يكون أي اتفاق نووي "دون مدة انتهاء"، ما يعني عملياً فرض قيود دائمة على القدرات النووية الإيرانية. ويعكس هذا التوجه انتقال واشنطن من سياسة الاحتواء إلى محاولة تصفية البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل، مستفيدة من الضغوط الاقتصادية والعزلة الدولية المفروضة على طهران منذ سنوات.
مفاوضات جنيف المكثفة
في المقابل، كشفت مصادر مطلعة لموقع "أكسيوس" أن الجولة الثالثة من المفاوضات في جنيف شهدت اجتماعات مباشرة وغير مباشرة استمرت أكثر من ثلاث ساعات بين الوفدين الأمريكي والإيراني، بمشاركة وزير الخارجية العماني ومدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في مؤشر على حساسية المرحلة وخطورتها. كما أكدت وكالة "رويترز" نقلاً عن مسؤول إيراني رفيع أن المحادثات كانت "مكثفة وجادة"، ما يعكس وجود نقاشات فعلية حول جوهر البرنامج النووي والعقوبات.
وأعلنت الخارجية الإيرانية أن وفدي التفاوض طرحا وجهات نظرهما بجدية، وأن بعض المقترحات المطروحة تحتاج إلى العودة للعواصم للتشاور بشأنها. لكنها في الوقت نفسه تحدثت عن وجود "تصريحات أمريكية متناقضة"، ما أثار شكوكاً حول حقيقة النوايا الأمريكية، وما إذا كانت واشنطن تسعى لاتفاق متوازن أو لفرض شروط أحادية.
مقترح إيراني مقابل
في مواجهة المطالب الأمريكية، قدمت طهران مسودة مقترح متكاملة، ركزت أساساً على رفع العقوبات مقابل إجراءات فنية محددة في البرنامج النووي. وبحسب مسؤول إيراني رفيع، فإن المقترح يتضمن خفض مخزون اليورانيوم إلى مستويات تخصيب منخفضة، ووضعه تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع تعزيز الشفافية الكاملة لضمان الطابع السلمي للبرنامج.
وكشف المسؤول الإيراني، في تصريحات لقناة الجزيرة القطرية، أن المقترح الذي قدمته بلاده يركز أساساً على رفع العقوبات ومعالجة المخاوف الأمريكية، ويتضمن مسارات فنية وعملية تثبت أن طهران لا تسعى لامتلاك سلاح نووي. وأوضح أن المقترح يؤكد حق إيران السيادي في تخصيب اليورانيوم، مع عرض تجميد مؤقت للتخصيب لفترة محدودة.
وشدد المسؤول على أن طهران ترفض بشكل قاطع مبدأ تصفير التخصيب أو تفكيك منشآتها النووية أو نقل مخزون اليورانيوم إلى الخارج، لكنها تقترح خفض المخزون إلى مستويات تخصيب متدنية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع تعزيز الشفافية الكاملة في الأنشطة النووية.
كما أشار إلى أن المبادرة الإيرانية لا تتضمن أي نقاش حول المنظومات الصاروخية أو البرامج الدفاعية، مؤكداً أنها تركز أيضاً على تحقيق مصالح مشتركة، خصوصاً في الجانب الاقتصادي، وأنها تمثل مقترحاً سياسياً جاداً وعملياً يمكن أن يقود إلى اتفاق سريع إذا توفرت الإرادة السياسية.
فجوة استراتيجية عميقة
تعكس هذه المواقف المتقابلة فجوة استراتيجية عميقة بين الطرفين، حيث تسعى واشنطن إلى إنهاء البرنامج النووي الإيراني فعلياً، بينما تحاول طهران الحفاظ عليه مع تقديم تنازلات تقنية محدودة مقابل رفع العقوبات. كما أكدت تقارير أمريكية، بينها ما نقلته "فوكس نيوز"، أن أي اتفاق من وجهة نظر واشنطن يجب أن يشمل وقف التخصيب بالكامل وتقديم ضمانات دائمة بعدم استئنافه.
في المقابل، شدد مسؤولون إيرانيون على أن مقترحهم لا يتضمن أي نقاش حول البرنامج الصاروخي أو القدرات الدفاعية، في رسالة واضحة بأن طهران تعتبر هذه الملفات خارج إطار التفاوض. ويعكس هذا الموقف محاولة إيرانية لمنع توسيع نطاق التفاوض ليشمل عناصر القوة العسكرية الاستراتيجية للدولة.
رسائل ميدانية موازية
تزامناً مع المفاوضات، حملت التصريحات العسكرية الإيرانية رسائل ردع واضحة، حيث أعلن قائد القوات البرية في الجيش الإيراني أن قواته "ستدافع عن النظام والثورة حتى آخر رمق"، في إشارة إلى أن طهران تستعد لكافة السيناريوهات، بما فيها فشل المسار التفاوضي.
تكشف هذه الرسائل المتوازية، السياسية والعسكرية، أن مفاوضات جنيف لا تجري في فراغ دبلوماسي، بل تحت سقف صراع استراتيجي مفتوح بين مشروعين متناقضين: مشروع أمريكي يسعى لفرض قيود دائمة على إيران، ومشروع إيراني يحاول تثبيت موقعه كقوة إقليمية مستقلة مع الاحتفاظ بأدوات الردع الاستراتيجية. وبين هذين المسارين، تبدو جنيف ساحة اختبار حاسمة، قد تحدد ليس فقط مستقبل البرنامج النووي الإيراني، بل شكل التوازنات في الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة.






