تشهد أروقة مدينة جنيف السويسرية حراكاً دبلوماسياً مكثفاً ومفاوضات وُصفت بأنها "فرصة أخيرة" لنزع فتيل الانفجار الإقليمي بين واشنطن وطهران، حيث تسلط الأضواء على "الأفكار المبتكرة" التي طرحها الوسيط العُماني لتقريب وجهات النظر.
ورغم الأجواء التي يحاول البعض تلوينها بالإيجابية، إلا أن القراءة العميقة للمشهد تشير إلى تعقيدات بنيوية في العقلية التفاوضية للإدارة الأمريكية الحالية بقيادة دونالد ترامب.
وفي هذا السياق، يقدم الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور مأمون أبو عامر، تقدير موقف استراتيجي يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد النصوص التفاوضية، رابطاً بين الطموح النووي والواقع الانتخابي والميداني.
ويرى الدكتور أبو عامر أن مشهد المفاوضات اليوم الخميس، رغم ما يحمله من بوادر تنازلات إيرانية محتملة، إلا أنه يصطدم برغبة أمريكية جامحة في عدم منح طهران "طوق النجاة" النهائي في هذا التوقيت بالذات، مما يضع مسار جنيف في حالة من "التعليق الاستراتيجي" بانتظار نضوج ظروف أخرى يراها ترامب ضرورية لفرض رؤيته الخاصة.
رؤية مأمون أبو عامر
يؤكد الدكتور مأمون أبو عامر في تحليله لمشهد اليوم، أن الرئيس ترامب، ورغم براغماتيته المعروفة، لن يسمح بتوقيع اتفاق نووي متكامل في جلسة اليوم، بل سيسعى جاهداً إلى تأجيل الإعلان عن التوصل لهذا الاتفاق عبر اختلاق ذرائع تقنية أو سياسية جديدة تحت مسمى "الضمانات الإضافية".
ويوضح أبو عامر أن الهدف الاستراتيجي من هذا التأجيل هو خلق مساحة زمنية تتيح لواشنطن توجيه "ضربة عسكرية محدودة" لإيران. هذه الضربة، وفق تقدير المحلل الفلسطيني، لن تكون حرباً شاملة أو "ضربة كبرى" تؤدي إلى انفجار المنطقة، بل هي فعل عسكري "مدروس ومؤثر" يمكن للايرانيين استيعابه دون اللجوء إلى خيار الهجوم المباشر على إسرائيل، ما لم يطرأ تغيير جذري وغير محسوب في المشهد الميداني يفرض قواعد اشتباك جديدة كلياً.
استراتيجية السلام بالقوة
ويرى الدكتور مأمون أبو عامر أن ترامب لا يمكنه الإعلان الآن عن اتفاق "مجاني" بدون ثمن عسكري يسبقه، وذلك يعود لسببين رئيسيين في عقيدته السياسية؛ الأول هو رغبته في ترسيخ صورته أمام جمهوره الانتخابي كزعيم "يجلب السلام بالقوة"، وأنه يمتلك الحكمة في استخدام الأداة العسكرية دون التورط في "حروب أبدية" فاشلة كما فعل الرؤساء السابقون في العراق وأفغانستان.
ترامب، بحسب أبو عامر، يتبع هنا "استراتيجية الضغط الطويل والضربات المؤثرة" التي تنهك الخصم وتجبره على تقديم تنازلات تاريخية في اللحظة التي يحددها البيت الأبيض، وليس في اللحظة التي تفرضها الدبلوماسية التقليدية في جنيف.
أما السبب الثاني الذي يطرحه الدكتور مأمون أبو عامر، فهو رغبة ترامب في إرضاء "اللوبي الصهيوني" واليمين "الإنجيلي" داخل الولايات المتحدة، وهما كتلتان تضغطان باستمرار باتجاه خيار المواجهة الصلبة والحرب الكبرى.
وهنا تبرز براعة ترامب في الموازنة بين المصلحة القومية الأمريكية التي ترفض الانزلاق لحرب شاملة، وبين حاجته السياسية للاستجابة لتلك اللوبيات "المسعرة للحرب".
ويرى أبو عامر أن الحل الوسط لدى ترامب هو توجيه ضربات متفرقة ومستمرة قد تمتد حتى شهر يونيو أو يوليو المقبلين، أي في ذروة الحراك الانتخابي الأمريكي، ليذهب إلى صناديق الاقتراع حاملاً "إنجازاً عسكرياً" ملموساً يثبت تفوقه وقدرته على لجم الطموح الإيراني دون إرسال قوات برية.
فك الارتباط بنتنياهو
في جانب آخر من تقدير الموقف، يربط الدكتور مأمون أبو عامر بين مفاوضات جنيف والانتخابات الإسرائيلية المرتقبة في حزيران المقبل. ويرى أن استمرار الضغط العسكري الأمريكي سيخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المدى المنظور، لكن بمجرد انتهاء الاستحقاق الانتخابي في تل أبيب، ستنتفي الحاجة الأمريكية لإرضاء "حارس البوابة" نتنياهو بشن حرب كبرى.
حينها، وبحسب رؤية الدكتور أبو عامر، ستكون الفرصة مواتية تماماً لترامب للذهاب إلى ما يصفه بـ "الصفقة العظيمة" ؛ وهي الصفقة التي سيقدمها للعالم كإنجاز وانتصار تاريخي تحقق بأقل التكاليف وبحكمة عسكرية جنبت العالم ويلات حرب عالمية ثالثة، محققاً بذلك أهدافه في تفكيك القدرات النووية الإيرانية أو تقييدها للأبد.
سيناريوهات النهاية المفتوحة
يختم الدكتور مأمون أبو عامر تقديره للموقف بمعادلة ثلاثية الأبعاد تلخص مستقبل المنطقة في ظل هذه التحركات؛ فالمشهد القادم لن يشهد "سلاماً مطلقاً" ينهي العداء التاريخي، كما أنه لن ينزلق إلى "حرب كبرى" تحرق الأخضر واليابس وتدمر المصالح النفطية والاقتصادية العالمية.
لكن التحذير الأهم الذي يطلقه المحلل الفلسطيني يكمن في الغموض الذي يكتنف لحظة البداية؛ فبينما يمتلك القادة قرار إطلاق الطلقة الأولى، يظل التحدي الأخطر هو أنه "لا أحد يعرف إذا بدأت الحرب.. كيف تنتهي؟"، هذا اليقين المفقود حول مآلات التصعيد هو ما يجعل جولة جنيف الحالية، رغم تعثرها المقصود أمريكياً، تظل الخيط الرفيع الذي يمنع السقوط في هاوية الفوضى الشاملة.









