20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: َتصعيدٌ مَحسوبٌ أَمْ اِنفِجارٌ كَبير؟ وَلُبنانُ على حافّةِ النّارِ بَينَ الرَّدعِ وَالإنزلاقِ إلى العاصِفَةِ

المنطقة تقف اليوم عند حافّةٍ دقيقة بين التَّصعيدِ المَحسوب والانفجارِ غيرِ المَضبوط. الضرباتُ المتبادلة، الرسائلُ النارية، والاستعراضاتُ العسكرية

بقلم: د. ليون سيوفي
٢٨ فبراير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
23 مشاهدة
لبنان وإيران وامريكا

لبنان وإيران وامريكا

المنطقة تقف اليوم عند حافّةٍ دقيقة بين التَّصعيدِ المَحسوب والانفجارِ غيرِ المَضبوط. الضرباتُ المتبادلة، الرسائلُ النارية، والاستعراضاتُ العسكرية، كلّها توحي بأنّ النار مشتعلة، لكنّها ما زالت ضمن إطارٍ مرسومٍ بعناية. لا أحد من اللاعبين الكبار يريد حرباً إقليميةً شاملة، لأنّ كلفتها تتجاوز قدرة الجميع على الاحتمال، سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

ما نشهده ليس اندفاعةً نحو حربٍ كبرى، بل إدارةُ توتّرٍ مضبوط. الضربات تُنفَّذ، لكن ضمن حدود؛ الردود تأتي، لكن بميزانٍ دقيق. العواصم الكبرى تدرك أنّ توسّع المواجهة سيعني تعطّل طرق الطاقة، اهتزاز الأسواق العالمية، وانفلات ساحاتٍ هشّة أصلاً. لذلك فإنّ القرار الفعلي اليوم هو: احتواءُ النارِ لا توسيعُها.

غير أنّ الخطر لا يكمن فقط في النيّات، بل في الحسابات. الشرق الأوسط منطقةٌ لا تحتمل أخطاءً صغيرة. صاروخٌ يخطئ هدفه، ضربةٌ تُوقع أعداداً كبيرة من المدنيين، أو استهدافٌ مباشر لدولةٍ لم تكن في قلب المواجهة… كلّها عوامل قد تُسقط معادلة الضبط وتفتح باباً لا يريده أحد. في هذه الجغرافيا، الخطأ التكتيكي قد يتحوّل إلى تحوّلٍ استراتيجي.

أمّا لُبنان، فهو يقف في قلبِ العاصفةِ لا على هامشها. موقعه الجغرافي وتشابك ساحته الداخلية مع توازنات الإقليم يجعلان أيَّ تصعيدٍ كبيرٍ قابلاً للانعكاس عليه سريعاً. لبنان لا يحتمل حرباً جديدة؛ بنيته الاقتصادية هشّة، ومجتمعه مُتعب، ومؤسساته تكافح لاستعادة الحدّ الأدنى من الاستقرار. ومع ذلك، يبقى عرضةً لتأثيراتٍ لا يتحكّم بها بالكامل، سواء عبر الضغوط الأمنية أو الارتدادات السياسية.

الخطر على لبنان لا يكمن فقط في ضربةٍ مباشرة، بل في اتّساع دائرة الاشتباك حوله. فإذا تحوّل التصعيد المحدود إلى مواجهةٍ مفتوحة، يصبح البلد ساحةَ اختبارٍ لتوازن الردع، وساحةَ ضغطٍ متبادل بين القوى الكبرى. أمّا إذا نجح المسار الدبلوماسي في احتواء النار، فقد يجد فرصةً لالتقاط أنفاسه وإعادة ترتيب أولوياته بعيداً عن منطق المحاور.

الدول الإقليمية تتصرّف بحذرٍ ظاهر. بيانات إدانة، تحرّكات دبلوماسية، واستنفار دفاعي دون إعلان انخراط مباشر. الجميع يراقب، والجميع يحسب كلفة الخطوة التالية. فالحرب الشاملة لن تُعيد رسم خرائط النفوذ فقط، بل قد تُعيد رسم خرائط الدول ذاتها، وهو ثمنٌ لا تبدو أيّ عاصمة مستعدّة لدفعه.

لكنّ الضبط لا يعني الأمان. كلّما طال أمد التوتر، ارتفعت احتمالات سوء التقدير. وكلّما ازدادت الضربات المتبادلة، ضاق هامش المناورة السياسية. المنطقة اليوم تعيش في منطقةٍ رمادية: لا حرب كبرى، ولا سلام مستقر؛ بل توازن هشّ يقوم على الردع المتبادل والخوف المشترك من الانهيار.

إنّ السؤال المفصلي يبقى: هل تنجح الإرادة السياسية في إبقاء المواجهة تحت سقفٍ مضبوط، أم أنّ حدثاً مفاجئاً سيكسر الإيقاع ويحوّل التصعيد المحدود إلى مواجهةٍ مفتوحة؟

الشرق الأوسط اعتاد السير فوق حافة الهاوية… لكنّ لُبنان يعرف أكثر من غيره أنّ ثمن السقوط ليس نظرياً، بل واقعٌ يدفعه شعبٌ أنهكته الحروب...

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي يكتب: َتصعيدٌ مَحسوبٌ أَمْ اِنفِجارٌ كَبير؟ وَلُبنانُ على حافّةِ النّارِ بَينَ الرَّدعِ وَالإنزلاقِ إلى العاصِفَةِ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°