حين يقفُ رئيسُ دولةٍ بحجمِ إيران ليقول إنّ ما جرى هو «حربٌ على المسلمين، وخصوصاً الشيعة»، فإنّنا لا نكون أمام توصيفٍ سياسيٍّ تقليدي، بل أمام انتقالٍ خطيرٍ من نزاعِ دولٍ إلى صدامِ هويّات.
الكلماتُ في لحظاتِ الأزمات ليست مجرّد تعبيرٍ انفعالي؛ إنّها إشاراتُ تعبئة. وحين تُربَطُ المواجهةُ بالانتماءِ الديني، تتحوّلُ من حساباتِ ردعٍ باردة إلى مساحةِ تعبئةٍ عاطفيةٍ مفتوحة لا يمكن ضبطُ إيقاعها بسهولة.
يبلغ عددُ الشيعة في العالم ما يقارب 300 مليون إنسان، موزّعين بين الشرق الأوسط، وجنوب آسيا، ودول الخليج، إضافةً إلى جالياتٍ واسعة في أوروبا وأميركا الشمالية، وكذلك في القارّة الأفريقية حيث توجد تجمعات شيعية مؤثرة في بلدان عدّة مثل نيجيريا وشرق أفريقيا وأجزاء من الساحل.
هذا الامتداد العددي والجغرافي يفسّر القلق الذي يبرز فور استخدام خطابٍ ديني تعبوي. فمن المرجّح وجود تعاطفٍ واسع في أوساطٍ شيعية ومسلمة متعددة إذا قُدِّم الصراع كاستهدافٍ ديني. بل قد يمتدّ هذا التعاطف إلى أوساطٍ سنّية ترى في المواجهة صداماً مع دولةٍ مسلمة. فالمشاعرُ في لحظات التوتر تتحرك بسرعةٍ تتجاوز الحسابات الباردة.
لكن التعاطف لا يعني بالضرورة تحركاً منظماً أو مواجهةً عابرةً للحدود. تحويل العاطفة إلى فعلٍ سياسي يحتاج قراراً مؤسساتياً، وتلك القرارات تُحكَم بمصالح الدول واستقرارها الداخلي.
في دول الخليج، حيث التوازنات المجتمعية دقيقة، قد تخشى الحكومات من ارتفاع منسوب الاحتجاجات أو الاستقطاب.
في دول آسيوية تضم ملايين الشيعة، قد تظهر تظاهرات أو مواقف سياسية حادة.
في أوروبا وأميركا، قد تتصاعد فعاليات تضامنية وضغوط إعلامية.
وفي أفريقيا، حيث توجد مجتمعات شيعية ناشطة في المجالين الديني والاجتماعي، قد نشهد تعبيرات تضامن قوية، لكن ضمن حدود الأنظمة السياسية القائمة في تلك الدول.
عندما يُؤطَّر الصراع كاعتداءٍ ديني، يرتفع منسوب الغضب الشعبي، وتزداد الضغوط على القيادات لاتخاذ خطواتٍ حاسمة. هنا يصبح التراجع أصعب، لأن أي تهدئة قد تُفسَّر ضعفاً.
القوى الكبرى — وعلى رأسها الولايات المتحدة — تدرك أنّ توصيف النزاع كصدامٍ ديني يفتح ساحاتٍ يصعب ضبطها. وكذلك دول أوروبية مثل المملكة المتحدة تنظر بقلقٍ إلى أي خطاب قد ينعكس توتراً داخلياً.
وعلى مستوى الردع العسكري، فإنّ التهديدات المتبادلة تضع الجيوش في حالة استنفار. وفي أجواء كهذه، يكفي خطأ تقديرٍ واحد — صاروخٌ يُساء فهمه، أو ضربةٌ تتجاوز حدود الرسالة — ليحوّل التوتر إلى مواجهةٍ فعلية.
إنّ تحويل السياسة إلى عقيدةٍ مقاتلة يجعل أي تسويةٍ لاحقة تبدو تنازلاً عن الهوية لا عن موقف سياسي. لذلك تبقى المسؤولية الكبرى على عاتق القيادات: كيف تُدار العاطفة الجماهيرية من دون أن تتحوّل إلى انفجارٍ خارج السيطرة؟
الكلمةُ قد لا تشعل العالم وحدها،
لكنها قد تُطلق ديناميةً يصعب إيقافها إذا لم تُحسَب خطواتها بدقة.
وأخطرُ ما في اللحظة ليس الغضب،
بل أن يتحوّل الغضبُ إلى قرارٍ شامل.










