في قراءة دقيقة للمشهد المتفجر في منطقة الشرق الأوسط، يرى الأكاديمي العراقي، الأستاذ الدكتور عبد الكريم الوزان، في تصريحات خاصة أدلى بها لموقع "180 تحقيقات"، أن الصراع الدائر حالياً يتجاوز مفاهيم المواجهة التقليدية أو المناوشات الحدودية المعتادة.
ويؤكد الوزان أن ما نشهده اليوم لا يمكن تصنيفه كحرب إقليمية مفتوحة بالمعنى الشامل، بل هو عملية عسكرية وجيوسياسية مركزة ومدروسة تقودها الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع إسرائيل، وتستهدف بشكل أساسي المركز القيادي في إيران، هذه الاستراتيجية تعتمد على مبدأ "الرأس والأطراف"، حيث تعتبر إيران الرأس المدبر والمحرك، بينما تمثل الفصائل في العراق واليمن ولبنان الأذرع التنفيذية لهذا الجسد السياسي والعسكري.
وبحسب رؤية الوزان، فإن القناعة السائدة لدى المخططين في واشنطن وتل أبيب هي أن سقوط "الرأس" سيؤدي حتماً وبشكل تلقائي إلى انهيار وتساقط كافة الأذرع المرتبطة به، مما ينهي نفوذ المحور كاملاً في ضربة واحدة منسقة.
العراق في فوهة المدفع
وعلى صعيد الداخل العراقي، يتوقع الدكتور الوزان أن تشهد الساحة العراقية موجة تصعيد جديدة وغير مسبوقة من قبل الفصائل المسلحة المنضوية تحت لواء "المقاومة الإسلامية".
وقد بدأت ملامح هذا التصعيد تظهر بالفعل من خلال التصريحات الرسمية والعمليات الميدانية التي أعلنت عنها "كتائب سيد الشهداء" و"كتائب حزب الله"، والتي استهدفت بشكل مباشر القواعد الأمريكية في أربيل ومناطق أخرى.
هذا التصعيد لا يمثل مجرد رد فعل عسكري، بل هو جزء من محاولة هذه الفصائل إثبات حضورها وتأكيد ارتباطها العضوي بالمركز الإيراني ومع ذلك، يحذر الوزان من أن هذا النشاط العسكري للفصائل سيكون له ارتدادات كارثية على الاستقرار الداخلي للعراق، حيث أن هذه الجماعات منتشرة في عمق النسيج السكاني والمدني، مما يجعل أي استهداف لها أو أي تحرك من قبلها يؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين اليومية وأمنهم الشخصي، محولاً المدن العراقية إلى ساحات محتملة لتصفية الحسابات الدولية.
تداعيات اقتصادية ومعيشية
إن التكلفة الباهظة لهذا التصعيد لا تقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد لتضرب مفاصل الاقتصاد العراقي الهش في صميمه.
ويوضح الدكتور عبد الكريم الوزان في حديثه لـ "180 تحقيقات" أن حالة عدم الاستقرار الناجمة عن قصف القواعد الأمريكية وتحركات الفصائل أدت بالفعل إلى اضطرابات ملموسة في سوق العملات، حيث سجل سعر صرف الدولار ارتفاعاً ملحوظاً، مما أثقل كاهل المواطن البسيط. علاوة على ذلك، فإن هذه الأجواء المشحونة تؤثر سلباً على انسيابية دخول المواد الغذائية والسلع الأساسية إلى الأسواق، وتعرقل سير الدوام الرسمي في المؤسسات الحيوية، وتلقي بظلالها على كافة متعلقات الحياة اليومية|، وإن تغلغل الميليشيات داخل مفاصل الدولة والمجتمع يجعل من الصعب فصل الصراع العسكري عن الواقع المعيشي، مما يعني أن العراق بات يدفع ضريبة الارتباط بالأجندات الخارجية من قوته اليومي واستقراره الاجتماعي والاقتصادي.
استراتيجية الخداع وتغيير النظام
وفي كشف مثير لطبيعة التخطيط العسكري المشترك بين أمريكا وإسرائيل، يشير الوزان إلى أن الهجوم الأخير لم يكن وليد اللحظة أو مجرد رد فعل دفاعي، بل كان جزءاً من "خطة خداع استراتيجي" كبرى لقد استغل الطرفان الأمريكي والإسرائيلي مسار المفاوضات السياسية والوعود بالتهدئة لإعطاء القيادة الإيرانية شعوراً زائفاً بالأمان، وهو ما دفع كبار القادة للتجمع في مواقع معينة ظناً منهم أن الحماية السياسية والمفاوضات القائمة تمنع استهدافهم. كانت هذه اللحظة هي "ساعة الصفر" التي استغلتها المخابرات المشتركة لتوجيه ضربة قاصمة للقيادة المركزية.
ويرى الوزان أن هذا الهجوم يمثل نقطة التحول من "سياسة الردع" إلى "سياسة تغيير النظام"، وهي الخطوة الأولى في مشروع أوسع لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد، حيث لن يتوقف الأمر عند حدود إيران، بل سيمتد ليشمل تغييراً جذرياً في بنية النظام السياسي في العراق، يتبعه إنهاء لوجود حزب الله في لبنان وحركة الحوثي في اليمن.
ملامح الشرق الأوسط الجديد
إن الرؤية التي يطرحها الدكتور الوزان ترسم معالم مرحلة انتقالية قاسية تمر بها المنطقة، حيث تسعى القوى الكبرى إلى إنهاء حقبة "الأدوات الإقليمية" والانتقال إلى مرحلة السيطرة المباشرة أو إعادة صياغة التحالفات.
إن تغيير النظام في العراق، كما يراه الوزان، هو حجر الزاوية في هذا التحول، فالعراق بموقعه وثرواته يمثل الرئة التي يتنفس منها المحور الإيراني وبمجرد حدوث هذا التغيير، ستجد الأذرع الأخرى نفسها معزولة ومقطوعة عن مصادر التمويل والإمداد الأيديولوجي والعسكري هذا السيناريو، رغم قسوته، يمثل في نظر المخططين الدوليين الحل الوحيد لضمان استقرار طويل الأمد يخدم المصالح الغربية والإسرائيلية في المنطقة، وهو ما يفسر الكثافة العسكرية والسياسية التي تُمارس حالياً لإنهاء دور الفصائل والميليشيات التي شكلت لسنوات طويلة عائقاً أمام هذا المشروع التوسعي الجديد.









