4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: فخ الجغرافيا وتيه القوة الانتحار الماسوني والبديل العربي

"من عرف قدر نفسه لم يغتر بالرياح العاتية"، فالجغرافيا هي القدر الذي لا يمكن تزويره، ومن حاول قهر الجبال بالغرور، انتهى به الأمر غريقاً في رمالها"، حكمة تختزل صراع الإرادات فوق تضاريس الوعي

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
٣ مارس ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
30 مشاهدة
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

"من عرف قدر نفسه لم يغتر بالرياح العاتية"، فالجغرافيا هي القدر الذي لا يمكن تزويره، ومن حاول قهر الجبال بالغرور، انتهى به الأمر غريقاً في رمالها"، حكمة تختزل صراع الإرادات فوق تضاريس الوعي، حيث يظن "الواهم" أن التكنولوجيا تغني عن فهم روح الأرض، التي أثبت تاريخها أن القوة العسكرية وحدها لا تضمن الأمن أو الاستقرار، وأن التجارب التاريخية المنسية، تُعلمنا الدروس الحقيقية قبل فوات الأوان، فلا يزال العقل الاستراتيجي الغربي يعاني من "عمهٍ تاريخي" مُزمن، فأمريكا ودول الغرب متعطشين للفوضى أكثر من تحقيق الأمان، ومن حرب فيتنام والمعروفة بالحرب الهندوصينية الثانية، أو ببساطة الحرب الأمريكية حتى الفشل الأمريكي في أفغانستان دليل، ومن يقرأ مذكرات القادة الذين تحطمت أحلامهم عند أسوار كابل، يدرك أن "القوة الغاشمة" ليست سوى مُحرك لتعجيل السقوط، واليوم ينجرف العالم نحو الهاوية ذاتها، مدفوعاً بنزعات فوضوية لا تُقيم وزناً لاستقرار الشعوب أو استدامة الاقتصاد في انتحار أمريكي على أراضي وجبال إيران ولبنان، وهي واقعة بين وهم القوة وصخرة الواقع، فمن الحماقة الاستراتيجية التي نراها تطل برأسها اليوم، هي التلويح بالدخول البري إلى العمق الإيراني، بمساحتها الشاسعة وتضاريسها الجبلية المُعقدة، ليست مجرد دولة، بل هي "حصن طبيعي"، والتجارب الأمريكية في أفغانستان، كانت "مقبرة للإمبراطوريات"، أثبتت أن السيطرة الجوية لا تعني حسم الأرض.

إن عُقدة الجبال، هي سر الفشل الأمريكي في أفغانستان وستتكرر لأن كُلفة أي مغامرة برية في تضاريس وعرة كهذه ستؤدي إلى استنزاف مالي وبشري يفوق قدرة الاقتصاد الأمريكي المنهك أصلاً، كما أن خطأ لبنان المتكرر، يُبرز التفكير الإسرائيلي بالدخول البري إلى لبنان كخطيئة كبرى؛ فالتاريخ القريب والبعيد، يُثبت أن الدخول سهل، لكن الخروج "مُغلف بالدماء"، حيث تتحول الأودية والقرى إلى ثقوب سوداء تبتلع الجيوش النظامية.

وبالتالي لا يمكن الاعتماد علي الأمريكان والغرب أو قواعدهم لحماية قواعد أو استقرار المنطقة، فقد كان من الأولى بهم حماية أنفسهم.

هذا يُبرز ضرورة أن يتحلى العرب بالدهاء السياسي ويعملوا على حماية مصالحهم الخاصة دون انتظار دعم خارجي، أظهر ضعفهُ عبر ثنائي الفوضى: (ترامب ونتنياهو) وضريبة اللاأمان، إذ أن عقيدتهم هي الفوضى ونهب الثروات، فلا أمان لعهودهم ولا لقواعدهم العسكرية التي أصبحت تمثل عبئاً أمنياً أكثر من كونها مظلة حماية، كما أن استراتيجياتهم ركيزتها "الانتهازية السياسية" التي تقوم على تأزيم الأزمات، مما يجعل الاعتماد العربي عليهم نوعاً من "المقامرة بالوجود". لذا، تبرز الحاجة الملحة لـ "الدهاء العربي"؛ ليس بالصدام المباشر فحسب، بل بالفك التدريجي للارتباط بسياساتهم، ولطرد نفوذهم واحتلالهم بذكاء يعتمد على تنويع التحالفات وبناء قوة ذاتية مُستقلة.

لقد أثبتت الفوضى والسياسات المتهورة لواشنطن وتل أبيب زلزالًا اقتصاديًا وركود من التضخم السيىء الذي وصل للآن إلى نقطة "الانفجار الصامت، حتى صار تآكلاً في القوة الشرائية للدول، حيثُ تجاوزت نسبة الدين العالمي إلى الناتج المحلي الإجمالي حاجز الـ $350، مما جعل أي هزة أمنية في الشرق الأوسط ترفع تكلفة التأمين على الديون السيادية لمستويات جنونية، وجعله المتحكم في تفكك الأسواق وهروب المُستثمرون، متوجهين نحو اقتصاد الأصول الصلبة.. وهو ما أسقط "قدسية" العملات التقليدية، فبدأ "الدولار" يفقد صبغته كملاذ آمن نتيجة استخدامه كسلاح سياسي، مما دفع القوى الإقليمية للبحث عن سلال عملات بديلة أو العودة لمعيار الذهب الرقمي، فتحول العالم من الرفاهية إلى "اقتصاد الندرة"، حيث أصبحت البطالة والفقر الوقود الجديد للاضطرابات الاجتماعية في الدول التي لم تستعد لهذه التحولات.

إن المخرج الوحيد للعالم العربي في ظل هذا الجنون الجيوسياسي يتمثل في ضرورة عدم الاعتماد على المظلة الأمريكية، والبديل هو بناء نظام أمني إقليمي خالص، إضافة لاستغلال الحاجة العالمية للطاقة والموقع الاستراتيجي لفرض شروط تضمن الاستقرار، وليس تمويل الحروب، بل العمل على الاستثمار في العقول، وتحويل الموارد نحو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتقليل الفجوة مع القوى الكبرى.

 

وقفة: "إن الحكيم هو من يبني جسور السلم في وقت الحرب، ومن يرى خلف الغبار ما لا يراه المتقاتلون"، فالعالم يقف عند مفترق طرق؛ إما الغرق في فوضى يقودها المهووسون بالمال والسلطة، أو الانحياز لصوت العقل الذي يدرك أن القوة الحقيقية تكمن في الاستقرار لا في الاستنزاف، ومن عرف قدر الأرض ودهاء السياسة، يحمي مصالح أمته ويحول الأزمات إلى فرص للنهوض.

 

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال