الصواريخ الإيرانية التي طالت البحرين والكويت وقطر والسعودية واتحاد الإمارات، وبالتوازي مواقع مدنية في دبي ومطار الكويت، لم تكن مجرد ردّ عسكري على الحملة الأمريكية–الإسرائيلية، بل حملت رسالة سياسية صريحة مفادها أن مرحلة جلوس دول الخليج على “الجدار” قد انتهت. فالدول التي اعتادت استضافة قواعد أمريكية، والعمل على خفض التصعيد، ومحاولة البقاء خارج نطاق النيران المباشرة، وجدت نفسها فجأة في قلب المشهد، لا على هامشه.
وقال آنا برسكي عن صحيفة معاريف على مدار أكثر من عقد، كررت عواصم الخليج الفكرة ذاتها: أي تصعيد مع طهران يهدد استثمارات بتريليونات الدولارات بُنيت بصبر طويل، من مدن الطيران العالمي إلى مراكز المال والسياحة والنقل والتكنولوجيا، وصولًا إلى بنى تحتية طاقوية تُعد من الأكثر تطورًا عالميًا. غير أن الضربات الأخيرة كشفت هشاشة هذا الافتراض، وأظهرت أن الجغرافيا السياسية لا تعترف بطموحات الحياد إذا ما اشتعلت المنطقة.
احتواء تحت النار
وقال برسكي، الاستراتيجية الخليجية التي برزت في الأيام الأخيرة يمكن وصفها بأنها “احتواء تحت النار”. فهي تجمع بين بيانات إدانة حادة، والتشديد على حق الرد، والتأكيد على انتهاك السيادة والقانون الدولي، وفي الوقت نفسه الحرص على عدم الظهور كطرف منجرّ إلى مواجهة هجومية واسعة قد تورّط المنطقة في حرب طويلة الأمد.
فالمنطق الذي يحكم هذا السلوك يبدو واضحًا: دول الخليج تمتلك ما تخسره أكثر مما تخسره إيران. فكل اضطراب في الفعاليات الاقتصادية، وكل مسافر عالق، وكل مستثمر يعيد النظر في وجهته، يشكّل شرخًا في “العلامة التجارية” الإقليمية التي بُنيت بعناية. هذه السمعة ليست مجرد صورة دعائية، بل رصيد استراتيجي من الدرجة الأولى. وحين يسقط صاروخ قرب فندق فاخر أو يُغلق مطار مركزي، فإن الأثر يتجاوز الخسارة المادية إلى زعزعة الثقة بعيدة المدى. إنها حرب تمسّ الاقتصاد بقدر ما تمسّ الميدان العسكري.
تباين المواقف
رغم الإغراء في تصوير الخليج كجبهة واحدة متراصة أمام عدو مشترك، فإن الواقع أكثر تعقيدًا. السعودية واتحاد الإمارات تتحدثان بلغة حازمة عن السيادة والردع، مع إدراكهما الواضح للكلفة الاقتصادية لأي تصعيد مفتوح. في المقابل، تواصل عُمان أداء دور الوسيط التقليدي، محذّرة من الانزلاق إلى مزيد من التدهور.
أما قطر، فتسعى للحفاظ على موقعها الخاص: الاستفادة من المظلة الأمريكية، مع إبقاء قناة اتصال مفتوحة مع طهران. هذا التوازن الحذر يفسّر جزئيًا اختلاف نبرة الدوحة مقارنة ببعض جيرانها، إذ تحرص على عدم قطع الخيوط بالكامل مع نظام آيات الله، خاصة إذا ما خرج من هذه الجولة بأقل قدر من الخسائر السياسية.
خصوصية قطر
بخلاف دول خليجية أخرى مثل عُمان والكويت والبحرين واتحاد الإمارات، لم يكن التركيز في الحالة القطرية منصبًّا بالدرجة ذاتها على استهداف أصول مدنية. ورغم سعي الدوحة إلى الظهور كجزء من أي منظومة دفاع إقليمي محتملة، فإن حساباتها لا تنفصل عن رغبتها في الحفاظ على علاقات قائمة مع طهران، تحسبًا لأي سيناريو سياسي لاحق.
بعد فترة صمت، خرج المتحدث باسم الخارجية القطرية مندّدًا بالإصابة في عُمان، إلا أنه تجنّب تسمية إيران صراحة في بيان الإدانة، وذهب إلى حد الإيحاء بتحميل إسرائيل جزءًا من المسؤولية، معتبرًا أن الهجوم على عُمان جاء في سياق سابق من الهجوم على قطر. هذه الصياغة تعكس محاولة دقيقة للموازنة بين التضامن الخليجي وعدم الانخراط في اصطفاف كامل ضد إيران.
واقع لا يشبه الأمس
ما نشأ اليوم يختلف جذريًا عما سبقه. لم يعد الخليج ساحة خلفية محمية كما أصرّ أن يكون لسنوات، بل أصبح جزءًا أصيلًا من ساحة المواجهة. موقعه الجغرافي والسياسي جعله نقطة التقاء بين القوة الأمريكية وبين الكلفة المدنية والاقتصادية للحرب. وكلما ارتفعت هذه الكلفة، ازداد الضغط على واشنطن لتقديم أفق سياسي واضح يحدّ من دوامة التصعيد.
في المقابل، كلما تواصلت النيران الإيرانية، تعزز ارتباط دول الخليج بالمظلة الأمريكية، باعتبارها الضامن الأمني الوحيد القادر – نظريًا – على ردع طهران. وبين هذين الحدّين، يتشكل واقع إقليمي جديد، عنوانه أن الحياد لم يعد خيارًا مضمونًا، وأن الاقتصاد لم يعد درعًا كافيًا أمام صواريخ تعيد رسم خرائط النفوذ والنار معًا.










