تشير تقارير إعلامية إسرائيلية وأمنية إلى تحول نوعي في طبيعة الضربات الموجهة ضد إيران، مع تركيز متصاعد على استهداف الحلقة القيادية العليا للنظام، في مسار يبدو أقرب إلى «استراتيجية ضرب الرأس» منه إلى عمليات عسكرية تقليدية. ويأتي ذلك في سياق تصعيد إقليمي واسع، وسط حديث عن اغتيال المرشد الإيراني واستهداف شخصيات أمنية رفيعة في طهران.
وبحسب ما نقلته فوكس نيوز عن مسؤول إسرائيلي، فقد جرى استهداف اجتماع مجلس خبراء القيادة أثناء انعقاده لاختيار مرشد أعلى جديد، في خطوة وصفتها القناة 12 بأنها «حدث دراماتيكي»، مشيرة إلى أن الهجوم طال عشرات من أعضاء المجلس المسؤول دستوريًا عن اختيار المرشد الأعلى.
اقرأ أيضا: طائرات حربية تستهدف مقر انتخاب المرشد في قم.. وإيران تعلن إخلاء الموقع قبل الضربة
وفي السياق ذاته، أعلنت وكالة تسنيم مقتل رئيس استخبارات الشرطة الإيرانية غلام رضا رضائيان خلال الضربات الأخيرة على طهران، ما يعزز مؤشرات استهداف البنية القيادية والأمنية للنظام بشكل مباشر ومتزامن.
من الاغتيال التكتيكي إلى هندسة الفراغ القيادي
قراءة نمط الضربات الأخيرة توحي بأن ما يجري يتجاوز إطار الاغتيالات التكتيكية المحدودة، ليقترب من استراتيجية متكاملة تستهدف سلسلة القيادة الإيرانية على ثلاثة مستويات متوازية:
أولًا: ضرب رأس النظام السياسي
استهداف المرشد الأعلى، ثم ضرب اجتماع مجلس الخبراء، يعني عمليًا تعطيل آلية انتقال السلطة ذاتها، لا مجرد إقصاء شخصية بعينها. فمجلس الخبراء يمثل الحلقة الدستورية الحاسمة في اختيار المرشد، وأي خلل في بنيته أو أعضائه قد يطيل أمد الفراغ أو يثير خلافات حول الشرعية والإجراءات.
📌وسائل إعلام إيرانية:
— 180 درجة - تحقيقات (@180news180) March 3, 2026
🔹️قصف جوي يدمر مبنى مجلس خبراء القيادة في مدينة قم pic.twitter.com/i99tX3GVq9
بهذا المعنى، يصبح الهدف إرباك مسار الخلافة ومنع إعادة إنتاج القيادة بسرعة، وهو ما قد ينعكس مباشرة على تماسك مؤسسات الدولة.
ثانيًا: تفريغ النخبة الأمنية والعسكرية
إعلان مقتل مسؤولين أمنيين بارزين، وعلى رأسهم قيادات في أجهزة الاستخبارات، يشي بمحاولة إضعاف القدرة على ضبط الداخل ومنع إعادة تنظيم القيادة بسرعة. فالأجهزة الأمنية، إلى جانب الحرس الثوري الإيراني، تمثل عماد السيطرة الميدانية والسياسية للنظام.
إضعاف هذه الحلقة يخلق فجوة في إدارة المعلومات واتخاذ القرار الأمني، ويحد من قدرة الدولة على الاستجابة الفورية لأي اضطرابات داخلية محتملة.
ثالثًا: صناعة أزمة قرار داخلية
في حال غياب قيادة واضحة أو تأخر حسم مسألة الخلافة، قد تنشأ حالة ارتباك بين مراكز القوة المختلفة: المؤسسة الدينية، الحرس الثوري، الحكومة التنفيذية. هذا التداخل قد يفتح الباب أمام صراع نفوذ مكتوم أو شلل مؤسساتي مؤقت.
مثل هذا السيناريو لا يعني بالضرورة انهيارًا سريعًا، لكنه يبطئ آليات اتخاذ القرار العسكري والسياسي، ويجعل رد الفعل أقل تنسيقًا وأكثر حذرًا، وهو ما قد يمنح الخصم هامش حركة أوسع.
المعركة على استمرارية النظام
إذا صحّت هذه القراءة، فإن الهدف الاستراتيجي المحتمل يتجاوز تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة، ليتمثل في إدخال النظام الإيراني في مرحلة «فراغ قيادي» أو على الأقل «ضباب قيادي» يربك عملية الحكم. في هذه الحالة، تتحول المواجهة من تبادل ضربات إلى صراع على استمرارية النظام نفسه.
استهداف العنصر البشري القيادي يعكس إدراكًا لحساسية هذه الحلقة في بنية الدولة الإيرانية، حيث تتركز الصلاحيات الكبرى في قمة الهرم، ويعتمد توازن المؤسسات على شخصية المرشد ودوره التحكيمي بين مراكز القوى.
سيناريوهات مفتوحة
أمام هذا المشهد، يمكن تصور مسارين رئيسيين:
-
احتواء سريع للأزمة: عبر تسريع اختيار قيادة جديدة وإظهار تماسك مؤسساتي، ما يقلص أثر الضربات ويعيد ترتيب الصفوف.
-
إطالة أمد الفراغ أو الخلاف: بما يفاقم الضغوط الداخلية، ويتيح تكثيف الضغط الخارجي سياسيًا وعسكريًا في آن واحد.
في كل الأحوال، يبدو أن طبيعة المواجهة تشهد تحولًا لافتًا: من حرب أهداف وبنى تحتية إلى حرب على مركز القرار ذاته، حيث تصبح القيادة – لا السلاح – هي الهدف الأكثر حساسية وتأثيرًا في ميزان الصراع.







