لم يعُد الصراعُ الدائر في المنطقة مجرّد توتّرٍ سياسيّ أو مواجهاتٍ غير مباشرة تدور في الظلّ. ما نشهده اليوم هو انتقالٌ تدريجيّ نحو مواجهةٍ أكثر وضوحًا واتّساعًا، حيث تتقاطع المصالح الكبرى وتتشابك الحسابات العسكريّة والسياسيّة في واحدةٍ من أكثر اللحظات حساسيّة في تاريخ المنطقة الحديث. ومع كلّ تصعيدٍ جديد، يتجدّد الحديث في بعض الأوساط عن إمكانيّة سقوط إيران أو انهيارها تحت ضغط المواجهة مع المحور الأمريكي–الإسرائيلي.
غير أنّ هذا الرهان، رغم تكراره، لا يبدو قائمًا على قراءةٍ واقعيّة لطبيعة المجتمع الإيراني ولا لعمق البنية العقائديّة التي يستند إليها النظام والدولة معًا. فإيران ليست مجرّد نظام سياسي قابل للانهيار السريع تحت الضغط، بل دولة تقوم على تداخلٍ معقّد بين الهوية الحضارية، والبعد العقائدي، والتجربة التاريخية الطويلة في مواجهة التحدّيات.
لقد خضعت إيران، منذ انتصار الثورة عام 1979، لسلسلةٍ متواصلة من الضغوط والصراعات. حربٌ طويلة مع العراق استمرّت ثماني سنوات، عقوبات اقتصادية غير مسبوقة، محاولات عزل سياسي، وتهديدات عسكرية متكرّرة. ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه الضغوط إلى انهيار الدولة أو تفكك المجتمع، بل كثيرًا ما أدّت إلى تعزيز التماسك الداخلي وإعادة صياغة أدوات القوة السياسية والعسكرية.
إنّ الرهان على سقوط إيران في مواجهة المحور الأمريكي–الإسرائيلي لا يقوم فقط على قراءةٍ ناقصة للتوازنات العسكرية، بل يتجاهل أيضًا البعد العقائدي والاجتماعي العميق داخل المجتمع الإيراني. فكما أنّه من الصعب تخيّل تخلّي الشيعة عن مذهبهم أو انقلابهم على عقيدتهم المتجذّرة، فإنّ الرهان على انهيار إيران من الداخل أو تخلّيها عن خياراتها الاستراتيجية يبدو رهانًا بعيدًا عن فهم طبيعة هذا المجتمع وصلابته التاريخية.
لكنّ المسألة لا تتعلّق بإيران وحدها. فمع توسّع المواجهة المباشرة، تصبح المنطقة بأكملها جزءًا من معادلة الصراع. القواعد العسكرية المنتشرة في عددٍ من دول المنطقة قد تتحوّل في لحظة التصعيد من أدوات ردع إلى أهدافٍ مباشرة. وخطوط الطاقة العالمية، التي تمرّ عبر الخليج ومضيق هرمز، قد تدخل بدورها في قلب الحسابات العسكرية والاقتصادية.
وهنا تظهر مفارقة قد تكتشفها بعض الدول مع تطوّر الصراع: فالبنى العسكرية التي أُقيمت على أراضيها تحت عنوان الحماية قد تتحوّل عمليًا إلى منصّات لإدارة الحرب، ما يضع تلك الدول في قلب المواجهة بدل أن يبعدها عنها.
إنّ الحروب الكبرى نادرًا ما تُحسم بالضربات الأولى. وغالبًا ما تتحوّل إلى حروب استنزاف طويلة تتغيّر خلالها الحسابات وتتبدّل موازين القوى. وفي مثل هذه الحروب، لا يكون العامل الحاسم هو حجم القوة العسكرية وحده، بل قدرة المجتمعات والدول على الصمود وتحمل الضغوط.
ولهذا السبب تحديدًا، فإنّ الاعتقاد بأنّ المواجهة العسكرية أو الضغوط القصوى ستؤدي تلقائيًّا إلى سقوط إيران قد يكون تبسيطًا مفرطًا لواقعٍ أكثر تعقيدًا. فالدول التي تقوم على بنى عقائدية وهويات تاريخية عميقة غالبًا ما تمتلك قدرة أكبر على التكيّف مع الأزمات وإعادة إنتاج قوتها.
المنطقة اليوم تقف أمام مرحلةٍ جديدة قد تعيد رسم التوازنات لسنوات طويلة. ومع اتّساع رقعة المواجهة، سيكتشف كثيرون أنّ بعض الرهانات السياسية التي بدت ممكنة في زمن الضغوط المحدودة قد تتحوّل في زمن المواجهة الكبرى إلى أوهام.









